pdf
رئيس التحرير وليد جاسم الجاسم

الدكتور منصور الفضلي قدّم بحثاً شاملاً حولها أضاء على جوانبها واقترح الحلول المناسبة لها

خلل التركيبة السكانية... الحل بتطويق العمالة الزائدة


- الظاهرة ارتبطت بقضايا أبرزها تجارة الإقامات وانتشار الفساد وخلل الميزانية العامة

خلُص الدكتور منصور الفضلي، في بحثه الشامل حول التركيبة السكانية في الكويت، إلى توصيات تعالج خلل التركيبة، شدد فيها على ضرورة تشديد العقوبة على الشركات والجهات التي جلبت عمالة زائدة عن الحد، ومحاسبة المسؤول الحكومي الذي يسمح للشركات والمؤسسات بجلب عمالة أكثر من الحاجة الفعلية، مع وضع اللوائح والقوانين التي تنظم شؤون العمالة ونشاطها، مع التأكيد على حل جميع المشكلات المتعلقة بالجوانب القانونية والمالية والإنسانية للعمالة الوافدة.

ودعا الفضلي، في بحثه إلى استصدار قانون جزائي يجرم الاتجار بالإقامات،مع تشديد العقوبة على مرتكب هذه الجريمة، وإنشاء شركة مشتركة بين الحكومة والمواطنين بنسبة 50 في المئة، هدفها إجراء الفحوصات والتأكد من صحة وسلامة العامل. وأرفق في بحثه إشارات عدة عن مكامن الخلل وكيفية حلها.

ويأتي هذا البحث من ضمن سلسلة الدراسات التي يقدمها مركز اكسفورد للاستشارات والدراسات الاستراتيجية، حيث ذكر في مقدمة البحث أن «التركيبة السكانية في الكويت تعاني من الخلل الواضح في عدم التوازن بين أعداد المواطنين والوافدين، ولاسيما أن التقارير الاقتصادية تبين أن مقابل كل مواطن كويتي يوجد 2.2 وافد، وأن هذه الزيادة في أعداد الوافدين هي لعمالة هامشية وسائبة عليها الكثير من الملاحظات الأمنية والاجتماعية».

وأشار إلى أن «التركيبة السكانية تحولت من قضية سياسية تستهدف تعديل سوق العمل والحفاظ على هوية المجتمع، إلى قضية شعبية يدلو الجميع فيها بدلوه، بفهم ومن دون فهم أحياناً، ما وضع متخذ القرار في أزمة حقيقية حول كيفية التعامل مع تلك القضية التي ارتبطت بقضايا عدة أبرزها تجارة الإقامات، متابعة قضايا الفساد وإصلاح الميزانية العامة للدولة».

ولفت إلى أن «البعض يرى أن حل أزمة الكويت الاقتصادية يكمن في تخفيف عدد الوافدين، ويشير آخرون إلى ضرورة النظرة المتأنية للموضوع برمته، ووضع آليات من شأنها توظيف العدد الهائل من الوافدين في الكويت بشكل سليم»، خصوصاً أنه على الرغم من الحلول والسياسات التي طرحت عبر عقود طويلة من قبل الحكومات المتعاقبة، لاتزال الأزمة تمثل هاجساً اقتصادياً وتنموياً لدى المسؤولين، كما تثير العديد من التخوفات الشعبية بسبب ما أفرزته الظاهرة من اختلالات أمنية وسياسية واكبت تداعيات أزمة كورونا.

وفي ما يلي أبرز النقاط التي أثارها الفضلي في بحثه:

رؤية عامة على الأزمة من خلال العمالة 400 ألف عامل هامشي في «الجليب» و«المهبولة»... منهم 141 ألف عربي

أزمة التركيبة السكانية ليست وليدة شهور مضت، وإنما هي أزمة ممتدة منذ عقود طويلة، إذ ارتبطت بالعديد من الإشكاليات، أبرزها: الفساد المالي، وتجارة البشر، وتجارة الإقامات، ما جعلها قضية شعبية بجانب كونها قضية اقتصادية، حيث تم تقدير تعداد السكان في الكويت بأربعة ملايين و800 ألف، يمثل الكويتيون، منهم مليوناً و450 ألفا، وغير الكويتيين ثلاثة ملايين و350 ألفا، أي أن نسبة الكويتيين تبلغ 30 في المئة وغير الكويتيين 70 في المئة. كما وضعت الحكومة أزمة خلل التركيبة السكانية كإحدى أهم أولويات عملها في المرحلة المقبلة، باعتبارها تجسد أهم التحديات المستقبلية.

ويكمن أصل الخلل في التركيبة السكانية، فيما يعرف بالعمالة الهامشية، ومع غياب الإحصائيات الدقيقة في شأن حجمها التي تشكل القاعدة الأساسية لظاهرة «استغلال نظام الإقامة في الكويت»، تشير الإحصائيات إلى أن عدد السكان الوافدين في منطقتي جليب الشيوخ والمهبولة، اللتين تتركز فيهما هذه العمالة بلغ، في نهاية سبتمبر 2019، أكثر من 513 ألف نسمة، منهم 372 ألف آسيوي و141 ألف عربي، وبالتالي تقدر حجم الظاهرة التي نتكلم عنها بما لا يقل عن 400 ألف عامل وافد، أو ما يعادل 23 في المئة من إجمالي حجم العمالة الوافدة، عدا العمالة المنزلية وما في حكمها.

ملامح الخلل في التركيبة 63 في المئة من العمالة السائبة... عقودهم مع القطاع الخاص

يمثل استقدام العمالة لمشروع حكومي أزمة أخرى، فعلى سبيل المثال يتم جلب 500 عامل، وبعد الانتهاء من المشروع لا يتم إجبارهم عن طريق كفيلهم بإعادتهم إلى بلدانهم، بل يتوزعون على أحياء ومناطق الكويت، ومن هنا يجب التفرقة بين العمالة الوافدة والعمالة الهامشية، فالعمالة الوافدة قامت بالتعاقد على عمل معين في زمن محدد بأجر محدد، وكل اتفاق يكون موثَّقاً بين الطرفين بعقد مصدّق عليه من وزارة الخارجية وسفارة الدولة التي تنتمي إليها العمالة الوافدة، وهذه العمالة لا خوف منها لأنها ستغادر البلاد بمجرد انتهاء المدة المقرّرة قانوناً لها.

أما عمال تجارة الإقامات، فهؤلاء يحصلون على عقود موثقة ومصدقة مقابل مبالغ مالية يدفعونها لأصحاب العمل، ثم وبعد دخولهم البلاد لا يوجد عمل حقيقي لدى صاحب العمل تاجر الإقامات، فيتحولون إلى عمالة سائبة تجوب الشوارع بحثاً عن فرص العمل لدى صاحب عمل آخر، وتتركز معظمها في القطاع الخاص (63 في المئة) والقطاع العائلي (29 في المئة) والحكومي (8 في المئة).

المستوى التعليمي متدنٍّ 53 في المئة من العمالة بلا مؤهل!

بلغت نسبة الذين لا يحملون مؤهلاً 53 في المئة من إجمالي العمالة، فيما بلغت نسبة المؤهلات الدنيا 27.2 في المئة، وسجلت المؤهلات المتوسطة نسبة 14.3 في المئة، والمؤهلات العليا 5.5 في المئة، ويكمن السبب في تدني المستويات التعليمية للعمالة الوافدة في غياب معايير استقدام العمالة الوافدة، ولا سيما العمالة المنزلية، وخضوعها لحرية أصحاب العمل والمواطنين، من دون اعتبارات تنموية موضوعية.

التوزيع المهني نصف العمالة يمارس أعمالاً يدوية عادية

يمكن القول إن الوافدين في الكويت يمثلون 3 أضعاف المواطنين، وبقدر ما شكل هذا مخرجاً اقتصادياً للنهوض بالبلاد بعد ظهور الثروة النفطية، لكنه في الوقت نفسه تسبّب في ظهور بعض المشكلات الأمنية والاجتماعية والثقافية والاقتصادية، حيث إن معظم العمالة الوافدة «هامشية»، وتتوزع مهنياً على:

1 - الأعمال اليدوية العادية بنسبة 55.2 في المئة

2 - كتبة وأعمال خدمات بنسبة 8.9 في المئة

3 - حرفيين بنسبة 6.9 في المئة

4 - أعمال الزراعة بنسبة 6.6 في المئة

5 - أعمال إشرافية 2 في المئة

6 - أعمال بيع بنسبة 1.9 في المئة

7 - اقتصاديين وقانونيين بنسبة 1.8 في المئة

8 - الطب والعلوم بنسبة 1.3 في المئة

9 - المدرسين بنسبة 1.3 في المئة

3 مجموعات للعمالة الهامشية

1 - المجموعة الأولى: عمالة لديها إقامة صالحة وعقد عمل صحيح، ولكنها لا تتسلم حقوقها بشكل منظم.

2 - المجموعة الثانية: عمالة تعمل باليومية حسب الفرص التي تُتاح لها، ولا تعمل لدى الشركات الوهمية التي استقدمتها ووفرت لها إقامة صالحة مقابل مبالغ كبيرة ودفعات سنوية (إتاوات).

3 - المجموعة الثالثة: عمالة لا تحمل إقامة صالحة، وليس لديها عمل ثابت، ولا تتقن مهنة أو حرفة تصلح للعمل باليومية.

10 آليات لمواجهة اختلال التركيبة

وضعت الكويت عدداً من السياسات والمشاريع التي تساعد على معالجة ظاهرة التركيبة السكانية من بينها تثبيت حجم السكان الوافدين، والحد من العمالة الوافدة الهامشية، ومن بين الإجراءات التي وضعت لمواجهة مشكلة العمالة الوافدة والهامشية:

1- وضع آليات غير تقليدية لمواجهة ظاهرة العمالة السائبة داخل الكويت.

2- تأمين حدود الدولة، ووضع آليات للحد من ظاهرة تسلل العمالة الوافدة إلى البلاد.

3- معالجة سوق العمل والتشغيل.

4- تحسين بيئة الصحة والسلامة المهنية بالقطاع الأهلي.

5- تشجيع الكويتيين على العمل في القطاع الخاص أو لحسابهم الخاص.

6- تطوير ورفع كفاءة قوة العمل الوطنية للعمل بالقطاع الخاص.

7- الحد من الأنشطة الاقتصادية كثيفة العمالة وتشجيع الأنشطة الاقتصادية كثيفة رأس المال.

8- دعم المشروعات الصغيرة والمتوسطة.

9- تطوير آليات استقدام العمالة الوافدة، وتتضمن تلك السياسة إنشاء شركة مساهمة عامة.

10- تحسين صورة دولة الكويت كراعية لحقوق الإنسان.

أبرز الحلول

يجب التأكيد على أهمية الدور المنوط بالهيئة العامة للقوى العاملة المستحدثة للعمالة والمستقلة عن وزارة الشؤون الاجتماعية والعمل، ويفضل أن تكون تابعة مباشرة لرئاسة الوزراء ويقترح أن تقوم بالمهام التالية:

وضع السياسة العمالية في البلاد وتحديد الاحتياجات الفعلية من التخصصات المطلوبة من العمالة الأجنبية.

وضع اللوائح والقوانين التي تنظم شؤون عمل العمالة الوافدة في البلاد.

حل جميع المشكلات المتعلقة بالجوانب القانونية والمالية والإنسانية للعمالة الوافدة.

محاسبة المسؤول الذي يسمح للشركات والمؤسسات بجلب عمالة أكثر من الحاجة الفعلية.

تقديم تقارير دورية للسلطتين التنفيذية والتشريعية يتم فيها تقييم أوضاع العمالة في البلاد.

تشديد العقوبة على الشركات والجهات التي جلبت عمالة هامشية زائدة عن الحد.

توحيد جهود وتنظيم دخول العمالة إلى البلاد من خلال جهة حكومية واحدة.

استصدار قانون جزائي يجرم الاتجار بالإقامات مع تشديد العقوبة على مرتكب هذه الجريمة.

إنشاء شركة مملوكة للحكومة والمواطنين بنسبة 50 في المئة هدفها إجراء الفحوصات والتأكد من صحة وسلامة العامل.

تشجيع إنشاء المدن العمالية تفعيل وتطبيق برامج توعية للعمالة الوافدة حول حقوقهم وواجباتهم القانونية والمادية المعيشية وخلافه.

8 توصيات نهائية

1 - إنشاء الهيئة العامة لحماية حقوق الوافدين، على غرار التأمينات الاجتماعية للمواطنين ما سيوفر فرص عمل للكويتيين في هذه الهيئة.

2 - مراعاة الآثار السلبية لتقليص أعداد العمالة الوافدة على القطاع العقاري والمصرفي، وكذلك على القوة الشرائية للسكان.

3 - ربط أعداد العمالة الوافدة المتوقع دخولها حتى عام 2035 بخطة التنمية وتحديد المشروعات المتوقع عملها خلال هذه الفترة.

4 - إبعاد العمالة الهامشية من المناطق السكنية، وتفتيت الوافدين من جنسية واحدة إلى مناطق عدة للسيطرة عليهم أمنياً.

5 - إلغاء نظام الكفيل بالكامل واستبداله بالنظام المعمول به في الدول المتقدمة.

6 - الاستفادة من النماذج في دول الإقليم، وخاصة النموذج السعودي (السعودة) في إحلال العصر الذهبي في جميع الأنشطة الاقتصادية واختصار بعض المهن على المواطنين فقط.

7 - إرسال المواطنين للتدريب بالشركات التي تتملك بها الحكومة، مثل مرسيدس وبرتش بتروليوم، لاكتساب الخبرات الفنية والمهنية ونقلها إلى سوق العمل الكويتي.

8 - توحيد الجهات الحكومية المسؤولة عن ملف العمالة الهامشية تحت مظلة الهيئة العامة لحماية حقوق للوافدين.

100 ألف عامل وافد يخدمون 7 آلاف مزرعة و5 آلاف جاخور

تشير التقديرات الأولية إلى وجود 100 ألف من العمالة الوافدة في قطاع الزراعة تقريباً، يخدمون 7 آلاف مزرعة موزعة في كل من الوفرة والعبدلي والصليبية، إضافة إلى 5 آلاف حيازة لتربية الحيوانات (جاخور) في منطقة كبد، وهي أعداد كبيرة جداً يمكن تخفيضها إلى النصف إن لم يكن أقل، في حال تبني الميكنة الزراعية، ولمعالجة هذه المشكلة لابد من استخدام تكنولوجيا متطورة في تشغيل تلك القطاعات.

حل مشكلة «البدون» لمواجهة الاختلال

من ضمن الآليات والسياسيات والمشاريع التي وضعتها الكويت لمواجهة ظاهرة اختلال التركيبة السكانية، أن يتم السعي الجاد لإيجاد المعالجات العملية المناسبة لمشكلة المقيمين بصورة غير قانونية «البدون»، حيث تم وضع عدد من المشاريع المرتبطة بعلاج تلك الظاهرة، وقد استهدفت تلك السياسات والمشاريع المرتبطة بها الحد من ظاهرة تجارة الإقامات، والتصدي لظاهرة الإقامة غير الشرعية للوافدين من خلال القضاء على الشركات الوهمية، كما تهدف إلى الحد من ظاهرة التسول، والحد من ارتكاب الجرائم، وتقليل الاختناقات المرورية، وتخفيض العبء المالي على الدولة، وتحسين صورة الكويت كراعية لحقوق الإنسان.

الأكثر قراءة
يومي
اسبوعي