pdf
رئيس التحرير وليد جاسم الجاسم

بوح صريح

هل كنت ستعدم سقراط ؟

لو كان بيدك الأمر، هل كنت ستصوّت لإعدام سقراط معلم الفلسفة الأول، الذي نادى بفلسفة «اعرف نفسك» وكان يهيم في شوارع أثينا القديمة منادياً الشباب ليلتفوا حوله.

وحين يسأله أحدهم سؤالاً يجيب: وأنت ما رأيك! ليشجّعهم على التأمّل والتفكير والتحليل، لكنه دِين بإفساد الشعب والإلحاد وحكم عليه بتجرّع السم.

وقيل إن الحراس كانوا يبكون وهم ينفّذون الحكم، إذاً هل كنت ستنقذه أم ستصوّت لموته ولماذا؟

حين يقدّس الشعب التخلّف والجهل، حينها يحارب المفكر والفيلسوف والمصلح والتنويري.

لأنهم يهدّدون الجهل والتخلف والسطحية والتفاهة.

وهكذا يُقذف بالإلحاد كل من يحاول تصحيح المفاهيم الخاطئة ومسارات القطيع التي اعتاد عليها الناس، حتى صارت روتيناً مقدّساً ثابتاً لا يناقش.

كما يحاربون القراءة والاطلاع والثقافة والفنون والآداب والتنمية.

وبذلك تتنامى الفرقة، ويشيع الاختلاف وتكبر الفجوة فتنشأ العنصريّة والطائفيّة والأحزاب.

فلا يعود هناك قيمة لعلم أو معرفة أو خبرة أو شهادة أو اجتهاد أو ابتكار أو إبداع.

بل يسيطر المتسلّقون من الجهلة ومهرجي الإعلام والمواقع.

ويُفرضون على الناس بقوة التسويق والإعلان كقادة اجتماعيين، بينما يبثون سمومهم ويعملون على تفريغ العقول والنفوس.

فيتراجع العمل الجاد واحترام الذات وتسامي الإنسانية، وتقديس الطفولة وصيانة حقوق المرأة والإنسان والسعي للتطوير والتحضر وإجراء البحوث للنهوض والتقدّم. وهذا واقع حالنا اليوم.

إذاً سيقول البعض: لن أصوّت على موت سقراط لأنه يحمل شعلة التنوير.

فلن أحكم عليه بالموت لمجرد الاختلاف، بل سأدعه يعيش لأرى الأمور بعينيه وأحاول تقمّص فكره وتأمل اجتهاده والنظر بعقله.

أليست الحياة مسالك متشعبة مختلفة ومعقدة، لا يسعنا خوضها بمعلوماتنا المتواضعة المحدودة، ولابد من الانفتاح على أطروحات الغير وعدم الخوف منها مهما كانت جديدة وغريبة.

وسيطالب البعض الآخر بموته، لأنه اعتاد على إقصاء الصوت المختلف ذي الأدوات والمفاهيم الجديدة.

فهو ارتاح لما اعتاد عليه ولا يريد تغييره.

لعل ذنب سقراط أنه ولد بعقل يفكر ويبحث في زمن يحاول فيه الجميع تجميد أو إلغاء العقل.

فكل مختلف ينظر إليه بعين الريبة والشك.

يقزّمونه ويسخرون منه ويضعون له الصعاب و العراقيل، حتى يشعر باليأس والعجز فيصمت أو يغيّر مساره.

الأكثر قراءة
يومي
اسبوعي