pdf
رئيس التحرير وليد جاسم الجاسم

السّلام والأقليّة والغالبيّة!

اختصار غسان عبود بميدان رجال الأعمال فحسب لا يُنْصِفُ الرجلَ الذي خرج من «سورية الأسد» إلى سورية أخرى ما زالت أملاً دائماً بالنسبة له ولكثيرين.

من الأعمال إلى الإعلام إلى السياسة إلى الإغاثة والعمل الإنساني... أسلوبٌ واحد. المباشرة والإقدام والجرأة والمُغامَرة. أَحْبَبْبتَه أم كَرِهْتَه، وافَقْتَه أو عارَضْتَه، إلا أن الصراحة المطْلقة التي يتحدث بها كفيلة بإلقاء حَجَرٍ ضخم في بحيرة الفكر العربي الراكد.

د. عادل فهد المشعل

آخِر آراء عبود المثيرة للجدل مطالعته عن السلام مع إسرائيل وكيف أن الأقليات التي تحكم بعض دول المنطقة أو تشارك في الحُكْم لا يمكنها إبرام اتفاقاتِ سلامٍ مع إسرائيل لأسباب داخلية متعلّقة بجوهر الإستراتيجية المعلَنة عن «العداء المُطْلَق» بهدف السيطرة على كل مقدرات البلد وتكريس مزايا الطائفة، ولأسباب خارجية منها صعوبة ضمان اتفاقٍ كهذا، لا من قبل إسرائيل ولا من المجتمع الدولي في حال تغيّرتْ الظروفُ السياسية والاجتماعية الداخلية لاحقاً بين الأقليات والغالبيات، إضافة إلى أن «هويات» الإجرام والإبادة التي ارتُكبت في تلك الدول تُضْعِفُ إمكانية استقامة أي سلام. يقول عبود حرفياً: «فالإسرائيلي أذكى من أن يقع في مستنقعِ عَقْدِ اتفاقِ سلامٍ مع مجرمِ حربٍ (يقصد بشار الأسد) صنّف العالم إجرامَه كأفعالٍ فاقتْ وحشيتها النازية بأشواط».

خلاصة المطالعة أن مَن يستطيع صنْع السلام بين الدول العربية وإسرائيل «هم الأكثرية، السُنة العرب تحديداً، عبر قياداتٍ عربيةٍ تقبل بها شعوبُها وتحترمها، قياداتٌ ذات حكْم رشيد أو حكْم ديموقراطي واعٍ. فالسُنّة العرب هم وحدهم القادرون على حماية السلام وتحمُّل نتائجه وجعْله حقيقة وليس خيانة».

هنا ينتقل النقاش من محتوى اتفاق السلام ونوعيته وأسسه إلى الفئة القادرة على إبرامه.

وينتقل النقاش من كون إسرائيل دولة تراعي فعلياً مقادير القِيَم الإنسانية أو تراعي مصلحتها فقط. دولةٌ تتعاطف مع ضحايا الإبادة التي يقوم بها نظام الأسد «احتراماً» لمعاناة المحرقة، أو دولة تغلّب أهداف التمرْكز والاحتلال والتوسع على ما عداها.

وينتقل النقاش من مصلحة الفلسطينيين، أصحاب الأرض والحق، ومصلحة هذا النظام الأقلّوي أو ذاك في السلام.

وينتقل النقاش من قدرة هذه الأنظمة على تأمين تَوافُق إقليمي على السلام أو وظيفتها القائمة على تعطيل أي مبادرةٍ للسلام.

الأسئلةُ كثيرةٌ، ورغم ذلك لا بد من القول إن النماذج التي ساقها غسان عبود سواء في ما يتعلق بالنظام السوري أو بالتركيبة السياسية اللبنانية التي أعقبت الاجتياح الإسرائيلي عام 1982 هي نماذج تصرّفتْ أو تتصرّف إما تحت ضغط اللحظة، وإما لكسْب الوقت وخصوصاً نظام الأسد. ومَن يَعُدْ إلى مذكرات وزيرة الخارجية الأميركية السابقة مادلين أولبرايت يكتشف كم أنها خرجتْ بانطباعاتٍ شديدة الحيرة في ما يتعلق بحافظ الأسد الذي كان لا يعدم أي حجة أو وسيلة لتعطيل اتفاقاتٍ ضخمة ومهمة تمّ الإجماعُ عليها بين الوفود المتفاوضة.

قد تكون الخصوصيةُ السوريةُ وما فيها من مآسٍ لم يعرفها التاريخ النازي فعلياً، تفرض نفسها على التحليلات الإستراتيجية، وهو أمرٌ منطقي ومفهوم. إنما يبدو أن نظاميْن مثل البعثين في العراق سابقاً وسورية راهناً تجاوزا حتى مفهوم الحزب الحاكم والأقليات والطوائف والمناطق باتجاه تكريسِ ديكتاتوريةٍ فرديةٍ مع طبقةِ منتفعين تكبر عند الحاجة وتُلقى في سلة المهملات عند الضرورة. وهناك مَن يجنح إلى توصيف هذه النماذج بالمافيا.

مَن ينظر إلى المواطن العراقي السنّي أيام صدام يشعر بأن مأساته لا تقلّ فظاعةً عن الشيعي أو الكلداني أو الأشوري، ومَن ينظر إلى الشيعي القريب من صدام أو المسيحي يشعر بأنه «حامل البركة». كذلك الأمر بما أظهرتْه الثورة السورية من واقع حال العلويين، سواء المعارضين للنظام أو غلاة المدافعين عن النظام. فالبؤسُ الذي يعيشونه واضح باستثناء طبقة السلكيْن الأمني والعسكري وبعض التجار المُوالين. ولنذهب أبعد من ذلك، إلى بعض الشيعة الذين يقال إن إيران وأذرعتها في المنطقة مَدَّتْهم بـ «قوة وسلطة» وهم عملياً يتمتعون بالقليل منها بقدر والولاء والوفاء والاستعداد للتضحية بالروح والدم، ومع ذلك يخسرون كغيرهم العبورَ إلى مجتمع صحّي يستطيع المرء أن يعيش فيه بكرامة اجتماعية وإنسانية مُحاطاً بقِيَم التعليم والصحة والتنمية والتطور والحداثة.

قد يكون خيالاً أو حلماً القول إن الأنظمة التي يمكنها إبرام اتفاق سلام مع إسرائيل أو رفْضه هي الأنظمة القادمة بخياراتِ الناس ومن قلب المجتمعات المدنية المُراكِمة للتحضّر وقِيَم الحرية والديموقراطية والحداثة. أمامنا أجيال لتحقيق ذلك، إذ إن العرب يتميّزون بأنهم لا يتعلّمون من التجارب وأن عناصر التخلّف البنيوي الطائفي تطغى على عناصر المُواطَنة والتجدّد... وحتى ذلك الحين لا بد من التعامل مع الحَجَرِ الذي ألقاه غسان عبود في هذه البحيرة الراكدة: غالبيّة أم أقليّة؟

الأكثر قراءة
يومي
اسبوعي