pdf
رئيس التحرير وليد جاسم الجاسم

من الخميس إلى الخميس

كشف حساب لثلاثين عاماً

بعد التحرير كنت أبعث مقالي باليد، ثم بالفاكس ثم بالإيميل وأخيراً بالواتس أب، رصدتُ خلال تلك الرحلة ردة فعل المتابعين على ما أكتبه في الشأن الداخلي، اليوم - ونحن نحتفل باليوم الوطني ويوم التحرير الثلاثين - أُقدم كشف حساب لتعليقات المواطنين، تعليقات ترصد تطور وضعنا الداخلي خلال ثلاثين عاماً.

في حقبة التسعينات كان المواطن الكويتي مليئاً بالحسرة من الخذلان الذي صاحب الغزو العراقي الغاشم، كانت مشاعر الوطنية لديه في قمة التوهّج تصحَبُها رغبةُ التحدي والتفاؤل بالمستقبل، كان الإصلاحُ يتحرّك بقوة والفساد يقاوم بضعف، من أجل ذلك تمت إعادة بناء الكويت بسواعد شابة راغبة في التغيير، معظم المقالات - في تلك الفترة - كانت تدور حول الرد على أعدائنا والدفاع عن الوطن الجريح وتشجيع روح البناء القوية، ردود الناس حولنا تسير معنا، كان التناغم صفة ما نكتبه وما نسمعه.

ومرّت السنون ودخلنا عصر الألفية الثالثة، وفي أول خمس سنوات فيها بدا واضحاً أن روح الماضي ما زالت تتنفس تحت تراب الوطن، بدأت التجمعات القديمة تُعيد إصلاح شباكها وبدأ الصراع يعلو رويداً رويداً، كان الصراع كعادته يحمل أكثر من رأس، وبدأت بذور الفتن الساكنة تنمو، يومها انشغلنا ككُتّاب في صد تلك الأفكار، لاسيما في محاولات تغريب الشعب الكويتي وإخراجه عن قيمه العربية والإسلامية، وقد ربِحَ المُصلِحون معارك وخسروا أخرى لكن روح التفاؤل لم تَضعُف يوماً.

وفي الخمس سنوات التالية، أي بعد خمس عشرة سنة من الغزو، كان المجتمع الكويتي على باب نسيان محنة الغزو وروح التلاحم الوطني، في تلك الأعوام اختار الفساد طريقه في ضرب بنية الوحدة، فبدأت محاولات تقسيم المجتمع طائفياً وقبلياً واجتماعياً، وبدأ الصّراعُ بين مُكوناتِ المجتمع فكنّا نكتب بحذر وبعموميات لا تُسمن ولا تغني من جوع، فالصّراع القبلي والطائفي هو أكثر الصراعات حساسية في أي مجتمع، انشغل القليل من الكُتّاب بالنصائح العامة وانشغل الكثيرون بالاصطفاف مع جماعاتهم، كانت معظم تعليقات القُرّاء منشغلة بذاك الصّراع، أما الفساد المالي فكان يتحرّك بهدوء نحو مصدر الدخل ومغارات علي بابا.

وما إن انتهت العشرة الأولى من القرن الحادي والعشرين، حتى بدا واضحاً أن الفساد نجح في تقوية الخلاف بين طبقات المجتمع الكويتي، وبدأت شُعلةُ التفاؤل تَبهُت، ورغم استمرار الدفع من أجل نشر روح المحبة إلا أنه قد بدا واضحاً أن تعليقات القُرّاء كانت تملؤها المرارة والإحباط، وضَعُفَ الأمل في وطن جديد، كأن هناك من يَخنُقُه، قوى ما تُريد نشر الإحباط، نجحت في كسر القوانين ونشر الواسطة وحرق الطبقة المتوسطة بغلو الأسعار والتفرقة بين أبناء الشعب بالمزايا والمعاشات، وتشجيع الفاسدين وإبعاد الشرفاء وتجنيس من لا يستحق على حساب من يستحق، وتزوير كل شيء من أجل المال وحصر المناقصات على مجاميع غير قادرة على البناء، واعتبار العمل الحكومي إمّا بطالة وإمّا تخليص مصالح، وانتشر بين الناس انطباع أن هناك من هو فوق القانون وفوق الوطن. وزادت حدة الصراع واختلف أبناء الوطن الواحد.

هذا هو كشف الحساب لثلاثين سنة ماضية، واليوم كل ما أتمناه

أن يلتفت قادة بلدي إلى هذه التطورات، وما وصلنا إليه من إحباط

لا سيما بين الشباب، ليحللوها ويعرفوا أسبابها ويعالجوها، فإن أكثر ما يَضُرُّ الأمم فقدان شبابها روح الأمل وانتشار الإحباط واليأس، حكومتنا إذا صَدَقَت قد لا تقضي على الفساد فحسب، لكنها تعيده مرة أخرى إلى وكره، ليعود بعدها الأمل والتفاؤل وتعود روح التسامح والمحبة.

الأكثر قراءة
يومي
اسبوعي