pdf
رئيس التحرير وليد جاسم الجاسم

سافر إلى ذاتك

راحة البال دمّرتني

ذات يوم دعوت الله براحة البال، وجاءت أيام وليال ارتاح بالي فيها، لا خطط يومية، ولا أهداف أسعى إلى تحقيقها، ولا تطلعات أنوي الوصول لها، لا فكرة ستولد ولا أخرى في المخاض، ولا عقل مستعداً لتوليد الأفكار من الأصل، لا شيء، فراغ كامل متكامل التفريغ من كل شيء، مرّ اليوم الأول بسعادة وبهجة.

لا أخفيكم سراً شعرت فيه بالحرية، اقتنعت بتلك اللحظة بفكرة الراحة الأبدية، لا أعرف مَنْ باعني الفكرة إلّا أنني اشتريتها باقتناع لا محالة، مرّ الكثير من الأيام تسحب بعضها بعضاً، يوم مليء بالنوم، آخر مليء بالأكل، والآخر مليء بالتسوّق، ناهيكم عن فخ النميمة وانخفاض الوعي والالتهاء بالتوافه.

ليصل الأمر لشهور بل امتدّ لسنوات، حتى ثارت روحي عليّ رافضة، القمع الفكري والنمط الحياتي الذي لا يناسبها، أذكر الوقت جيداً، كانت الساعة مليئة بالكسل لا وقت مهمّ ولا دقائق تعدّ ولا ثوان تمّ الاعتراف بها بعد.

أفقت! لأجد نفسي شخصاً لا أعرفه، بوجه شاحب، ووزن زائد. لا متعة لحظية ولا رغبات حياتية، لا لهفة تدهشني ولا رغبة توقظني، يومي كأمسي... وغدي لا يختلف عن الأمس. لأعترف حينها أنني وقعت في فخ فكرة رديئة باعوني إياها.

عزيزي القارئ... هل تعرف ماذا يعني أن تعيش مرتاح البال؟ أن ترتاح من التفكير فلا تفكر في شيء ويهزمك كل شيء، الوقت الطويل، اليوم الممل، لا تحد للوقت، لا إنجاز لحلم من أحلامك، ولا متعة للزمن في تفاصيل الإنجاز ومتعة النهايات، تعني ألّا تفكر في مكافأة ذاتك فلم تعمل شيئاً، ولا تفكّر في كسب عيشك فعندك كل شيء، ولا يهمّك أن تحقّق أمراً فكل شيء لديك، تدمير ذاتي ونفسي ولا إضافة اجتماعية.

حتى أعادت هي تعريفها لي بعد رحلة اكتشاف طويلة لها، لم أبذل فيها شيئاً سوى تبنّي تعريفها الخاطئ، لأعيد تعريفها من جديد، تعريف يليق بها.

راحة البال لا تعني الفكر الخالي، بل تعني القناعة، لا تعني التوقّف بل تعني الوقوف عند كل خط لتحديد مساره واتجاهه، تعني أن لا وجود للذّة القلق، بل تواجد للاتزان الفكري.

لا تعني الاستسلام بل تعني التسليم، عرفت معاني كثيرة منها، فقرّرت تغيير دعائي يارب تغيير إلى لأفضل، ولهفة التحقيق وحياة مليئة بالبهجة والدهشة والجمال، ورحلة عمر مليئة بالتقدم والإبداع، وراحة بال بقناعة لا مُقنعة، ومحطات وقوف لا سنوات توقّف.

Twitter &instgram:@drnadiaalkhaldi

الأكثر قراءة
يومي
اسبوعي