pdf
رئيس التحرير وليد جاسم الجاسم

من الخميس إلى الخميس

قهر الأجيال

أكتب هذا المقال ليس من أجل زمننا هذا ولا الجيل الذي نحن فيه، بل أكتبه من أجل عصر بعيد قادم وأجيال لم تولد بعد.

عشت طفولتي في خمسينات وستينات القرن العشرين وعشت شبابي في سبعيناته، وتسارعت بي السنون لكي أرى وأقارن وأتعلم، واليوم ها أنا أقر وأعترف أننا شعب عشنا حياة البطر، بطرٌ بكل ما تحمله الكلمة من معنى.

اليوم ونحن ندخل الحقبة الثالثة من القرن الواحد والعشرين ما زلنا نعيش، نحن وأبناؤنا وأحفادنا، حياة البطر، لا نقدّر النعمة ولا نحافظ على ما نملكه، وسواء كنا أغنياء أو فقراء، مثقفين أو بسطاء فكلنا جميعاً نعيش في دائرة البطر لا يردعنا رادع ولا تؤثر فينا مواعظ.

نحن إذا أكلنا نضع أمامنا ضعفي ما نحتاج أن نأكله وأحيانا أضعاف ما نأكله. إذا دخلنا بيوتنا نشعل كل الأنوار ولا نكترث بالطاقة المهدرة، إذا غسلنا أيدينا بالماء نستهلك كمية من الماء تكفي لاغتسال كامل جسدنا، نعيش جميعاً في بلد يضطر فيه عمال النظافة أن يجمعوا القمامة كل يوم من أمام بيوتنا في زمن تُجمع فيه القمامة في الدول الأكثر تقدمًا وغنى منا مرة أو مرتين في الأسبوع، بقايا طعامنا المرمي تئن من ثقلها أكياس القمامة.

نحن شعب لا نعرف الفرح دون أن نثير، بإسرافنا، حسد العالم من حولنا، نزوّج بناتنا ممن نحب نحن، لا من أجل سعادتهن واستقرارهن، نتباهى بفروقات طبقية صنعناها بأيدينا من أجل التميز عن الآخرين.

نُعلم أبناءنا من الدين كل أساليب التوبة والاستغفار والأدعية ونتراسل بها في كل مواقع التواصل الاجتماعي، وفي المقابل نشجع أبناءنا على التساهل في القيم وفي سرقة أموال وأوقات الدولة، وأحيانًا تجدنا مختلفين حول رجال كانوا سدًا منيعًا في وجه الفساد وكأنما أضعنا بوصلة العدالة وابتعدنا عن مواقف الرجال.

أيتها الأجيال المقبلة، يا من لا أعرف حالكم وإن كنت أراكم بعين واقعنا اليوم، أراكم تبحثون عن لقيمات تسد جوعكم وأرى شبابكم يبحثون عن وسيلة للهروب من بلاد أجدادهم، فلا يستطيعون بعد أن حاصرتهم الأمم داخل حدودهم.

لم نترك لكم سوى آثار من عمارات شاهقة ومنازل واسعة أصبحت من شدة الحرارة مأوى للحشرات، وغدت تلك الهياكل الإسمنتية عبئاً على البيئة، تشع منها الحرارة في زمن ندرة الطاقة.

عذراً لم نفتح لكم آفاق المستقبل ونؤسس لكم مصادر للرزق، حتى ما جمعناه لكم من أموال تحت مسمى احتياطي الأجيال ما زلتم لا تدرون كيف اختفى، تركنا لكم القهر والحاجة، حين تسابقنا نحن في البطر، وكأن النعمة التي نحن فيها ستبقى ما بقيت الأرض والسماء.

أنا وغيري تكلمنا وصرخنا لكننا لم نكن أصحاب قرار، أرجوكم لا تشملونا حين تدعون على هذا الجيل.