pdf
رئيس التحرير وليد جاسم الجاسم

دراسة قانونية خلصت إلى ضرورة إلغاء المادة 2 من القانون رقم 35 لسنة 1962

حق الترشيح للانتخابات بين التنظيم والتقييد


- مساواة شروط الوظيفة التنفيذية بالوظيفة التشريعية... أمر يُجانبه الصواب
- لا يجوز للحق الممنوح دستورياً للمواطن باليد اليمنى أن تسلبه القوانين باليد اليسرى
- الترشيح هو الوسيلة الوحيدة ليستطيع المواطن أن يكون شريكاً في إدارة شؤون بلده
- الحق ليس مطلقاً بل ترد عليه شروط تنظيمية لكن لا يجوز أن تجعل الترشيح مستحيلاً
- التوسع في الشروط يخلق مظنة استخدامها كوسيلة لإبعاد المنافسين وعزل المعارضين
- الشروط يجب أن تكون موضوعية واقعية تتعلق بالمواطنة والعمر والسكن
- الناخب ليس قاصراً ليتم توجيهه في اختياراته بوضع شروط مطاطة مبهمة
- تحديد المرشح حسن السمعة هو اجتهاد قد يصيب أو يخطئ
- لا مانع من إلزام توفير سيرة المرشح الذاتية للناخب وبشفافية كاملة
- النص المقترح ينص على تقديم المرشح نسخة من شهاداته الدراسية وخبراته وكشف صحيفة الحالة الجنائية لإدارة الانتخابات لنشرها على موقعها الإلكتروني

خلصت دراسة قانونية إلى ضرورة تعديل القانون رقم 35 لسنة 1962 في شأن انتخابات أعضاء مجلس الأمة، بإلغاء المادة 2 في البند المتعلق بشروط المرشح لتقتصر فقط على شروط موضوعية واضحة.

الدراسة التي تطرقت بالتفصيل إلى حق الترشيح، والأساس القانوني له في الدستور، وحمايته، والخلط بين شروط الوظيفة التشريعية وشروط الوظيفة التنفيذية، أكدت أن المادة 2 بصيغتها الحالية، «تضع شروطاً للحرمان من الانتخابات لا تتسم بالوضوح والدقة، وفيها من الوصايا على إرادة الناس وأفكارهم واختياراتهم لمن يمثلهم»، كما أنها تتوسع في «تقييد حق المرشح والناخب من ممارستهما لحقهما الأصيل في الانتخاب والتصويت، وبذلك فهي شروط جاءت ماسة بجوهر الممارسة والعملية الديموقراطية وخروجاً عن تفسيرها».

وفي ما يلي نص الدراسة:

الترشيح

يُعتبر الترشيح في الانتخابات البرلمانية من أهم مراحل العملية الانتخابية، بل يعد أهمها، إذ لا وجود لانتخابات ولا لبرلمان «كسلطة تشريعية» إن لم يكن هناك مرشح يخوض المعركة الانتخابية، ويطرح نفسه لجموع الناخبين الذين يمارسون حقهم في الانتخاب، واختيار مرشحهم ليكون عضواً في البرلمان يمارس صلاحيته في التشريع والرقابة وتمثيل الأمة وإرادة الشعب في إدارة البلاد.

ولما كانت مشاركة الشعوب عن طريق ممثليها في إدارة البلاد - وبلا أدنى شك - ذات أهمية، فنجد أيضاً أن المواثيق الدولية أولت اهتماماً في «حق الترشيح والانتخاب»، فقد نصت المادة (21) من الإعلان العالمي لحقوق الإنسان على الآتي: «لكل شخص حق المشاركة في إدارة الشؤون العامة لبلده، إما مباشرة وإما بواسطة ممثلين يختارون في حرية»، كما تضمن النص أن «إرادة الشعب هي مناط سلطة الحكم، ويجب أن تتجلى هذه الإرادة من خلال انتخابات نزيهة تجري دورياً بالاقتراع العام وعلى قدم المساواة بين الناخبين وبالتصويت السري أو بإجراء مكافئ من حيث حرية التصويت».

أيضاً، تضّمن النص في المادة (25) من العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية على أن: «يكون لكل مواطن، دون أي وجه من وجوه التمييز المذكور في المادة 2 الحقوق التالية التي يجب أن تتاح له فرصة التمتع بها دون قيود غير معقولة:

أ‌ - أن يشارك في إدارة الشؤون العامة، إما مباشرة وإما بواسطة ممثلين يختارون في حرية.

ب‌ - أن ينتخب ويُنتَخب في انتخابات نزيهة تجري دورياً.

والحال كذلك بالنسبة لدساتير الدول وقوانينها، فنجدها اعتنت بتلك الحقوق والحق في الترشيح سواء كان بصورة مباشرة أم غير مباشرة، كما وفّرت الضمانات الكفيلة بممارسته من قِبل المواطن الذي يرى في نفسه القدرة على المشاركة في إدارة الشأن العام، وإن اختلفت دساتير الدول - في هذا الشأن - وقوانينها المرتبطة بها في شروط الترشيح، فمنها من وضع الشروط المتعددة والمتشددة، ومنها الآخر اكتفى بشروط الترشيح البسيطة والمحددة.

وفي جميع الأحوال، فإن القاعدة تكون في وجوب أن تكون شروط الترشيح مبررة وقائمة على معايير موضوعية ومعقولة وواضحة لا تحتمل التأويل أو الاختلاف، على سبيل المثال: «المواطنة، السن، ومستوى التعليم...»، وذلك كي لا تثير اللبس والغموض أو يُساء فهمها من جانب، أو استغلالها بصورة خاطئة لمنع الخصوم السياسيين أو المنافسين من خوض المعركة الانتخابية أو التضييق عليهم في ممارستها، وبذلك وفي حالة الشروط المشددة أو غير الواضحة أياً كان سبب وضعها فإنها ستؤثر سلباً على حق الترشيح ويوصم النظام الديموقراطي بالانحراف وعدم النزاهة والحيادية.

أهمية الدراسة

إن الدراسة في شأن هذا الحق (حق الترشيح) تحظى على قدر كبير من الأهمية، ومن ثم فإن التوجه التشريعي والقضائي الحالي نجده نحو التشدد في الشروط الواجب توافرها في المرشح، وإذ كان هذا التشدد أو التضييق لا يتماشى مع النظم الديموقراطية والمواثيق الدولية خاصة كما أردفنا سلفاً، فإنه يقود إلى مظنّة التدخلات السياسية في الحرمان من الترشح، لذلك تأتي أهمية الدراسة في تسليط الضوء على خطورة التوسع في شروط المرشح والتضييق على الأفراد في طرح أنفسهم أمام الناخبين (الأمة) في تمثيلهم، وكيفيته – التوسع في الشروط - في النهاية التي ستؤدي إلى مصادرة رأي الأمة في إبداء رأيها في المرشحين، وكأن هناك من ينصب نفسه وصياً عليهم، وكأن الشعوب قصّر لا يعون ما يفعلون ولا يهتمون بمن يختارون.

أهداف الدراسة

لما لحق الترشيح في العملية الانتخابية والممارسة الديموقراطية أهمية كبيرة، فإن خطورة التزيد في شروط هذا الحق في الترشيح والتوسع فيها والتضييق على المواطن الراغب في ممارسة النشاط البرلماني كممثل للأمة، قد يؤدي إلى مظنة التدخل السياسي في الانتخابات لاستبعاد المعارضين أو المخالفين سياسياً لصاحب القرار، فضلاً عما قد يصاحبه من انحراف في السلطة التشريعية، لذلك فلا بد من الاقتصار على الحد الأدنى من الشروط التي تتسم بالواقعية والموضوعية والوضوح، مع اعتناق مبدأ الشفافية في كشف السجل الجنائي والشهادات العلمية التي يحملها المرشح والخبرات العملية التي مارسها، ويسمح لجموع الناخبين الحق في الاطلاع عليها وتكوين عقيدتهم الانتخابية في شأن المرشح، من دون أن تكون عليهم ثمة وصايا في تحديد اختياراتهم أو توجيهها، لا سيما أن من سيختارونه سيمثلهم كـ«أمة».

ونظراً لما لمسناه من التوسع التشريعي والقضائي في الشروط الواجب توافرها في المرشح، وما نتج عن ذلك لحالات منع وحرمان لبعض الأفراد من الترشح، ولما لهذا الحق من أهمية على النحو الذي أوردناه في التمهيد، الأمر الذي حدا بنا إلى اختيار هذا الموضوع بهدف وضع حل ومقترح تشريعي نراه مناسباً لتحقيق التوازن بين (حق الناخب) في الاختيار عن تبصر ومعرفة، وحق المواطن في (الترشيح) ليشارك في إدارة شؤون الدولة.

تمهيد

يتعين قبل البدء في موضوع الدراسة بيان الشروط الواجب توافرها في الترشيح حتى يتسنى الولوج في موضوع البحث بشكل واضح ودقيق، لذلك نوردها مع التعليق عليها بشكل من الإيجاز غير المخل على النحو الآتي: - ما نصت عليه المادة (82) من الدستور الكويتي على أنه «يُشترط في عضو مجلس الأمة:

أ- أن يكون كويتي الجنسية بصفة أصلية وفقاً للقانون.

ب- أن تتوافر فيه شروط الناخب وفقاً لقانون الانتخابات.

ج- ألا تقل سنه يوم الانتخاب عن ثلاثين سنة ميلادية.

د- أن يجيد قراءة اللغة العربية وكتابتها».

- الشروط الجديدة في القانون رقم 35 لسنة 1962 في شأن انتخابات أعضاء مجلس الأمة وذلك استناداً على البند «ب» من المادة 82 من الدستور، والتي تجلّت في المنع من الترشيح وذلك على النحو الآتي:

1- المحكوم عليه بعقوبة جناية أو في جريمة مخلة بالشرف أو بالأمانة إلى أن يرد إليه اعتباره (المادة 2).

2- إذا أدين بحكم نهائي في جريمة المساس بالذات الإلهية والأنبياء والذات الأميرية، وذلك وفق التعديل على قانون الانتخاب بالقانون رقم 27 لسنة 2016 وذلك بإضافة فقرة ثانية للمادة (2).

- الشرط المضاف قضائياً في الطعن رقم (8 لسنة 2008 طعن خاصة بانتخابات مجلس الأمة 2008) وهو شرط «حسن السمعة»، حيث جاء في الحكم «... وغني عن البيان أن ثمة شرطاً آخر لا ريب فيه وهو شرط حسن السمعة، وأنه وإن كان قانون الانتخاب لم يورده ضمن الشروط اللازمة للترشيح إلا أن هذا الشرط تفرضه طبيعة الوظيفة النيابية لعلو شأنها وأهمية مسؤوليتها وخطورة واجباتها، ويعد هذا الشرط – وفق ما هو مستقر عليه – من الأصول العامة في التوظيف وتقلد المناصب النيابية والتنفيذية ولا يحتاج إلى نص خاص يقرره، وهو شرط يتعلق بالسلوك الشخصي للمرشح ويقصد به ألا يكون قد اشتهر عنه قالة السوء أو التردي في ما يشين، صوناً لكرامة السلطة التشريعية وحفظاً لهيبتها وضماناً لتمثيل الأمة في مجلسها النيابي بخير من ينوب عنها أحسن تمثيل، وهذا الشرط مستقل بذاته عن الشرط الوارد بالمادة (2) من القانون سالف الذكر، فلا يلزم لسوء السمعة صدور أحكام في جرائم مخلة بالشرف أو الأمانة ضد المرشح، كما لا يصح الاستدلال على سوء السمعة بمحض اتهام يقوم على مظنة الإدانة...».

ويلاحظ على هذا الحكم التالي:

- إنه قد خلط بين تولي الوظيفة العامة «التنفيذية» التي يتم التعيين فيها بقرار فردي من سلطة الإدارة وبين الوظيفة «النيابية» التي يتم توليها عن طريق الانتخاب المباشر السري من مجموع الناخبين الذين يمثلون الأمة، ولهم أن يختاروا من يشاؤون لمن يمثلهم بإرادة حرة من دون أي تقييد أو تضييق باختياراتهم باعتبار هذا الحق خالص لهم.

- أن هذا الشرط «سوء السمعة» لا يلزم لتوافره صدور أحكام في جرائم مخلة بالشرف و/ أو الأمانة ضد المرشح، بل يترك تقديره للمحكمة ولعلمها خارج قاعة المحاكم، وهو علم يخالف المبادئ التي يقوم عليها القضاء حيث إن القاضي لا يجوز أن يحكم بعلمه.

- أن عدم اشتراط صدور أحكام في جرائم مخلة بالشرف والأمانة على المرشح ليمنع من الترشيح بسبب سوء السمعة، يجعل هذا الشرط غير خاضع لحكم المادة (244) من القانون رقم 17 لسنة 1960 في شأن قانون الإجراءات والمحاكمات الجزائية التي تنص على أن: «كل حكم بعقوبة تظل آثاره الجنائية قائمة إلى أن يسترد المحكوم عليه اعتباره بحكم القانون أو بحكم قضائي...».

ومن ثم، فإن شرط سوء السمعة يمكن أن يستخدم ضد المرشح في أي وقت، من دون أن يملك الحق في رد الاعتبار بحكم القانون أو القضاء.

لذلك فإننا نرى أن إضافة هذا الشرط (أو أي شروط أخرى مماثلة) فيه تقييد لإرادة المواطنين التي يجب أن تكون حرة غير مقيدة بالترشيح، ومن دون تنصيب أوصياء عليهم بفرض شروط تفهم منها بالمخالفة عدم قدرة الشعب على اختيار الصالح من المرشحين.

وجدير بالذكر هنا، أن الدستور الكويتي وضع شروطاً موضوعية واضحة للترشيح، إلا أن قانون الانتخاب جاء بعد ذلك ليضيف إليها منع المواطن من حق الترشيح، إذا صدر عليه حكم في جريمة مخلة بالشرف والأمانة، وهي جرائم غير واضحة وغير معرفة بالقانون، حيث إن المُشرّع لم يورد تحديداً أو حصراً للجرائم المخلة بالشرف والأمانة، بما مفاده أنه ترك تقدير ذلك لمحكمة الموضوع في ضوء معيار عام مقتضاه أن يكون الجرم من الأفعال التي ترجع إلى ضعف في الخلق أو انحراف في الطبع تفقد مرتكبها الثقة أو الاعتبار أو الكرامة وفقاً للمتعارف عليه في مجتمعه من قيم وآداب، وبما لا يكون معه الشخص أهلاً لتولي المناصب العامة بمراعاة ظروف كل حالة على حدة بحسب الظروف والملابسات التي تحيط بارتكاب الجريمة والباعث على ارتكابها (الحكم الصادر في الطعن رقم 667 لسنة 2019 مدني جلسة 14/3/2019).

ويُلاحظ أيضاً وفقاً للمعيار الذي رسمه القضاء بأنه معيار غير منضبط ويختلف باختلاف الزمان وباختلاف الحالات والملابسات، فما يعتبر في حالة فعل مخل بالشرف والأمانة يمكن ألا يعتبر كذلك في ظروف أخرى، مما يجعل هذا الشرط المانع عرضة للتغيّر من شخص إلى آخر ومن جريمة إلى أخرى، ومن ثم يجعل الترشيح أمراً صعب المنال لأسباب غير واضحة وغير منضبطة تخضع لتقدير القضاء واجتهاده.

لذلك، بهذه النبذة الموجزة والتوجه التشريعي والقضائي على جوهر الممارسة الديموقراطية الذي يتصل ويمس بأصل النظام الانتخابي، وهو حق الترشيح الذي يجب أن يحدد وفق شروط واقعية منضبطة، ولأسباب هذه الدراسة وأهدافها السالفة، جاءت هذه الدراسة لتكشف خطورة التوسع في شروط الترشيح.

الدراسـة أولاً: حق الترشيح

حق الترشيح من الحقوق السياسية المرتبطة بالشخص ورغبته في تمثيل الأمة، وهو من الحقوق التي لا تقبل بطبيعتها المزيد من القيود لارتباط الاختيار بمجموع الناخبين، وهو بذلك يختلف عن الوظيفة العامة المرتبط الاختيار فيها بسلطة الإدارة، فالمرشح للوظيفة العامة تختاره الإدارة، أما المرشح للمجالس النيابية فتختاره مجموعة الناخبين بالانتخاب الحر المباشر.

ولعل هذا الخلط بين الوظيفة العامة التي تتم عن طريق التعيين وبين التمثيل السياسي للأمة التي تتم عن طريق الانتخاب، هو ما جعل بعض المشرعين يخلط بين شروط الترشيح للوظيفة العامة وشروط الترشيح للمجالس النيابية رغم الفرق الشاسع بينهما.

يُعرف حق الترشيح أنه من الحقوق المرتبطة بالممارسة الديموقراطية للمشاركة في إدارة شؤون البلد عن طريق الانتخاب الحر المباشر النزيه السري المُعبّر عن إرادة الناخبين، لذلك اهتمت به المواثيق الدولية والنصوص الدستورية.

ورغم أن معظم الدساتير أغفلت تعريف الترشيح، إلا أنها نصت عليه ووضعت له شروطاً متى ما تحققت في الفرد جاز له ترشيح نفسه ليكون عضواً في المؤسسة التشريعية، وممثلاً للأمة معبراً عن إرادتها التي تمثلت في الانتخاب.

وعلى ذلك نستطيع أن نعرف الترشيح بأنه: «الحق الذي يملكه المواطن متى ما توافرت فيه الشروط القانونية في أن يتقدم ليمثل الأمة في البرلمان ليطرح نفسه أمام مجموع الناخبين لاختياره».

وبالتالي، فإن الترشيح هو الوسيلة الوحيدة في النظام الديموقراطي التي يستطيع من خلالها المواطن أن يكون شريكاً في إدارة شؤون بلده، وهذا الحق ليس مطلقاً وخالياً من الشروط بل لا بد من توافر شروط محددة في الفرد ليستطيع أن يرشح نفسه للانتخابات، لكن أن ذلك لا يعني أن توضع - بحجة التنظيم - أمامه شروط تعجيزية أو مبهمة غير واضحة يمكن أن تستخدم لمنعه من ممارسة هذا الحق السياسي الأصيل والمشروع ليتحول من التنظيم إلى منع.

ثانياً: الأساس القانوني للترشيح في الدستور الكويتي

رغم عدم تعريف الدستور الكويتي للترشيح والإشارة له إلا أن الحق في الترشيح يعود أساسه إلى مجموعة من النصوص الدستورية، حيث تنص المادة (6) من الدستور على أن «نظام الحكم في الكويت ديموقراطي، السيادة فيه للأمة مصدر السلطات جميعاً، وتكون ممارسة السيادة على الوجه المبين بهذا الدستور».

ونصت المادة (51) على أن «السلطة التشريعية يتولاها الأمير ومجلس الأمة وفقا للدستور».

كما نصت الفقرة الأولى من المادة (80) على أن «يتألف مجلس الأمة من خمسين عضواً يُنتخبون بطريق الانتخاب العام السري المباشر، وفقاً للأحكام التي يبينها قانون الانتخاب».

وحددت بذلك المادة (82) من الدستور شروط المرشح حيث نصت على أن: «يُشترط في عضو مجلس الأمة:

أ- أن يكون كويتي الجنسية بصفة أصلية وفقاً للقانون.

ب- أن تتوافر فيه شروط الناخب وفقاً لقانون الانتخابات.

ج- ألا تقل سنه يوم الانتخاب عن ثلاثين سنة ميلادية.

د- أن يجيد قراءة اللغة العربية وكتابتها».

كما نجد النص في المادة (83) كذلك على أن «مدة مجلس الأمة أربع سنوات ميلادية من تاريخ أول اجتماع له، ويجري التجديد خلال الستين يوماً السابقة على نهاية تلك المدة مع مراعاة حكم المادة 107. والأعضاء الذين تنتهي مدة عضويتهم يجوز إعادة انتخابهم. ولا يجوز مد الفصل التشريعي إلا لضرورة في حالة الحرب ويكون هذا المد بقانون».

وعلى ذلك، فإن حق الترشيح يستند إلى نصوص الدستور وقانون الانتخاب الذي فصل في إجراءاته.

ثالثاً: حماية حق الترشيح

كما بيّنا سابقاً أهمية الحق في الترشيح، وأن أساسه يرجع إلى أسمى القوانين وهو الدستور الكويتي، وبالتالي فإن هذا الحق يحتاج إلى الحماية من العبث أو التضييق أو الانحراف، خصوصاً أنه يُعد مظهراً من مظاهر الممارسة الديموقراطية وانعكاساً حقيقياً لنزاهة الانتخابات ومخرجات العملية الانتخابية من دون عبث أو تزييف.

بلا أدنى شك، إن حق الترشيح ليس حقاً مطلقاً بل هناك شروط تنظيمية لا بد أن تتوافر في الفرد ليحق له الترشيح، ومن هنا يتوجب أن تأتي حماية هذا الحق من العبث أو التضييق تحت عذر التنظيم بوضع شروط تجعل من الصعب أو المستحيل ممارسته، فأهم حماية يمكن أن توافر لحق الترشيح هي عدم التضييق على الترشيح والاكتفاء بشروط موضوعية صريحة واضحة لا تقبل التأويل أو الخلاف، فكلما كانت الشروط تمثل الحد الأدنى من التنظيم وتتسم بالوضوح والموضوعية كلما قل العبث فيها والاختلاف في تنفيذها واللدد في استخدامها.

لذلك نرى أنه «لا يجوز للحق الذي منحه الدستور بيده اليمنى للمواطن ليشارك في إدارة شؤون وطنه من خلال الترشيح في المجالس النيابية أو البلدية، أن تسلبه القوانين باليد اليسرى تحت عذر التنظيم بوضع شروط تتجاوز الحد الأدنى للترشيح».

رابعاً: الخلط بين شروط الوظيفة التشريعية وشروط الوظيفة التنفيذية

هناك فارق واضح بين شروط «الوظيفة التشريعية» وشروط «الوظيفة التنفيذية» والدور الذي يمارسه من يشغل أي من الوظيفتين.

فالوظيفة التشريعية: تتمثل بالتشريع والرقابة على أعمال السلطة التنفيذية ويتم اختيارها من الشعب لتكون عينه التي ترى ويده التي تعاقب، فدور السلطة التشريعية سياسي يستعين بالرأي الفني من مستشارين وفنيين بل ويستعين برأي الناخبين سواء عن طريق الاستفتاء أو العلاقة المباشرة في اتخاذ القرارات، ولا تتدخل في أعمال السلطة التنفيذية.

أما بالنسبة للوظيفة التنفيذية: فهي وظيفة يتقدم لها من تتحقق به شروط تقلدها – التي تختلف من وظيفة الى أخرى- وقد يصل لها بصورة روتينية عن طريق التسلسل الوظيفي، ويتخذ القرار في التعيين أو الترقية المسؤول الأعلى رتبة، وحماية لهذه الوظيفة العامة من انحراف متخذ القرار توضع لها شروط أكثر دقة وصرامة.

لذلك فإن مساواة (أو خلط) شروط الوظيفة التنفيذية التي تعد وظيفة إدارية يخضع الحصول عليها لرأي المسؤول الأعلى رتبة، بالوظيفة التشريعية التي هي وظيفة سياسية تخضع لتقييم الناخبين ورأيهم في المتقدم لها عن طريق الترشيح والانتخاب، هو أمر يُجانب الصواب.

خامساً: التعليق «على شروط الترشيح»

كما أوضحنا في ما سلف، إن حق الترشيح ليس حقاً مطلقاً بل ترد عليه شروط تنظيمية متى توافرت في الفرد حقَّ له التقدم لترشيح نفسه في الانتخابات، كما أن هذا التنظيم لا يجوز أن يتحول إلى أداة لمنع المواطن من الترشيح أو لجعل عملية الترشيح مستحيلة عليه، فضلاً عن أن التزيد في شروط الترشيح وعدم وضوحها يخلقان مظنة استخدامها كوسيلة لإبعاد المنافسين وعزل المعارضين وهو ما يصيب النظام الديموقراطي بعوار في مفهومه، والعملية الانتخابية بخلل في إجراءاتها، فلا تعود معبّرة عن إرادة الشعب وتطلعاتهم.

لذلك، فإن شروط الترشيح يجب أن تقتصر على شروط موضوعية واقعية تتعلق بالمواطنة (الجنسية) والعمر والسكن، مع شروط أخرى شكلية تتعلق بعدم الترشيح إلا بعد التخلي عن الوظائف العامة سواء كانت مدنية أو عسكرية أو قضائية، لجعل المتنافسين على المقعد النيابي متساوين في المراكز القانونية من دون تمييز بينهم.

وعلى ذلك يثار السؤال، عن بعض الشروط الأخرى التي تبنتها بعض الدساتير والقوانين، ومنها قانون الانتخاب الكويتي باشتراط عدم صدور حكم على من يريد أن يرشح نفسه للانتخابات بعقوبة جناية أو في جريمة مخلة بالشرف أو بالأمانة إلى أن يرد إليه اعتباره، وكما أضاف إليها القضاء شرط حسن السمعة.

فنجد في هذا الشأن أن هناك خلطاً بين شروط «الوظيفة العامة» وشروط «الوظيفة التشريعية»، فقد تقبل هذه الشروط الراهنة في الوظيفة العامة لصدور قرار القبول فيها بالفرد المسؤول، أما الوظيفة التشريعية فلما كان القرار فيها للشعب وهو من يقرر وبإرادته المنفردة وبصورة مباشرة وسرية من سيختار ممثلاً له في البرلمان مدافعاً عن حقوقه، فلا مجال لقبولها، لا سيما أن هذه الصفات كما أوردنا سلفاً وأكده القضاء، تتسم بالعلانية والوضوح وتُعبّر عن مشاعر الناس فليكن للشعب الرأي النهائي فيها وفي قبول من ارتكبها من عدمه.

كما نجد في القول بغير ما تقدّم، أنه اتهام الشعب بالقصور في الفهم والانحراف في الفكر حيث سيختار من حكم عليهم بجناية أو جرائم مخلة بالشرف والأمانة أو سيئ السمعة رغم علمه بذلك، وهذا الاتهام مُستبعد ولا نؤيده.

لذلك نرى أنه لا يحق أن توجب شروط غير صريحة وغير موضوعية وتنصيب أوصياء على خيارات الناس وتضييقها في من يستحق التصويت له من عدمه، لا سيما أن هذا الحق هو حق أصيل ولصيق بالناخب يقرره كيفما يشاء وفق تنظيم صريح وواضح يقيّم من خلاله المرشحين ويختار من يرى أنه الأصلح، فالناخب ليس قاصراً ليتم توجيهه في اختياراته بوضع شروط مطاطة مبهمة كالشروط المتعلقة في جرائم الشرف أو الأمانة أو حسن السمعة.

إذ إن معيار تلك الشروط لم يأتِ فاصلاً في تحديد المرشح حسن السمعة من عدمها، فهو اجتهاد قد يصيب أو يخطئ فمن الأولى تركه لمجموعة الناخبين المكونين من عدة آلاف المصاحبين للمرشح والمتابعين له، غير أنه نرى أن لا مانع من إلزام توفير للناخب وبشفافية كاملة السيرة الذاتية للمرشح، سواء ما تعلق منها بشهاداته العلمية وخبراته العملية وصحيفة حالته الجنائية يوافق على اطلاع الناخبين عليها، وكل ذلك باعتبار من سيختارونه سيمثلهم في الوظيفة التشريعية لا أن يكون في السلطة التنفيذية والتي قرارها بيدها وحدها.

وبجانب هذا، فإن هناك جرائم لم تدرج تحت مفهوم الإخلال بالشرف والأمانة أو سوء السمعة ولكنها تُظهر سلوك الشخص ومدى التزامه بالقوانين وهل يستحق تمثيل الأمة من عدمه؟ كأن يخالف قوانين المرور ويمارس السب والقذف وإساءة استعمال شبكة الإنترنت، وغيرها من قضايا تظهر سلوك الفرد وطبيعة تصرفاته، وهي قضايا قد لا تدخل في شروط الترشيح ولكنها تظهر حقيقة الشخص وسلوكه، لذلك نجد الأنسب في ما رأيناه كما سبق بتوفير للناخب وبشفافية كاملة في من سيترشح على النحو السالف بيانه، وذلك تحقيقاً لمبدأ الشفافية في المرشح والمناسبة في الاختيار، لا سيما وفي هذا الشأن قد استقر القضاء في أحكامه بأن مثل هذه الجرائم لا ترقى – بأي حال من الأحوال – لأن تكون من القضايا المخلة بالشرف أو الأمانة، أو يترتب عليها افتقاد المرشح لشرط إلى شرط حسن السمعة، ورغم ذلك وفي ما نراه تعتبر للناخب مهمة في كشف شخصية المرشح ومدى التزامه بالقوانين وحسن سلوكه وتعامله مع الآخرين، وبالتالي سيمتنع عن انتخابه.

سادساً: النتائج والتوصيات

في ضوء ما تم بحثه ودراسته تم التوصل إلى نتائج نجدها تمثلت في أن المادة 2 من القانون رقم 35 لسنة 1962 وتعديلاته تضع شروطاً للحرمان من الانتخابات لا تتسم بالوضوح والدقة، وفيها من الوصايا على إرادة الناس وأفكارهم واختياراتهم لمن يمثلهم، وكذا التوسع على تقييد حق المرشح والناخب من ممارستهما لحقهما الأصيل في الانتخاب والتصويت، وبذلك فهي شروط جاءت ماسة بجوهر الممارسة والعملية الديموقراطية وخروجاً عن تفسيرها.

- التوصيات: لتحقيق ممارسة ديموقراطية راشدة بإجراءات انتخابية سليمة بعيدة عن مظنة التدخل بإبعاد المنافسين والمعارضين من خلال استخدام شروط غير واضحة للترشيح أو الحرمان منه تحدد حسب الاجتهاد، فإننا نوصي بالآتي: • تعديل القانون رقم 35 لسنة 1962 في شأن انتخابات أعضاء مجلس الأمة بإلغاء المادة 2 في البند المتعلق بشروط المرشح لتقتصر فقط على شروط موضوعية واضحة، ونورد المقترح الآتي بذلك: النص المقترح: «يُشترط في الناخب الذي يريد أن يرشح نفسه أن يقدم إلى إدارة الانتخابات نسخة من شهاداته الدراسية وخبراته العلمية، وكشف صحيفة الحالة الجنائية تتضمن تفصيلاً للسوابق الجنائية مع شرح مختصر عن طبيعة الاتهام ومنطوق الحكم، إن وجد، على أن تقوم إدارة الانتخابات بوضع هذه الشهادات على موقع الإدارة الإلكتروني بما يسمح للناخبين الاطلاع عليها».

وفي الختام، نجد أنه بتطبيق هذا المقترح سيزيد من شفافية ووضوح أنسب المرشحين للمواطنين «الناخبين» ومسؤولية الأخيرين في اختياراتهم، وحقهم الأصيل في من يمثلهم بعيداً عن أي تقييد وتحقيقاً لمبدأ الديموقراطية بأعلى درجاتها.