pdf
رئيس التحرير وليد جاسم الجاسم

العهد بين رهانات 1990 ورهانات 2020

​​​سيعاني لبنان كثيرا في السنتين الباقيتين من عهد الرئيس ميشال عون. ما يثير القلق، على وجه الخصوص، غياب أي وعي او ادراك لدى رئيس الجمهورية والمحيطين به لخطورة ما يعاني منه البلد ومدى عزلته.

لو توافر حدّ ادنى من الوعي والادراك، لكان ميشال عون قدّم استقالته واعتذر من اللبنانيين. لكان قال لهم صراحة انّه ليس رجل المرحلة التي تحتاج اوّل ما تحتاج الى رئيس للجمهورية يستطيع ان يكون بالفعل حكما بين اللبنانيين قبل ايّ شيء آخر.

كان يفترض بميشال عون الاعتذار والاستقالة منذ فترة طويلة بسبب العجز عن استيعاب ما يدور في البلد والمنطقة والعالم من جهة وعدم تقديره لما يمكن ان يترتب على تمكين «حزب الله» من اختيار من سيكون رئيس الجمهورية اللبنانية، (الماروني) من جهة أخرى. هزّة واحدة من مجموعة الهزّات التي تعرّض لبنان كانت تفرض استقالة رئيس الجمهورية. انهيار النظام المصرفي سبب اكثر من كاف للخروج من قصر بعبدا، في حين ان تفجير مرفأ بيروت كان كارثة تحتّم قبل ايّ شيء آخر امتلاك ما يكفي من الشجاعة للقول انّ البلد في حاجة الى سياسيين حقيقيين يتحمّلون مسؤولية افعالهم وتقصيرهم.

ما يبدو مخيفا اكثر من شيء آخر يتمثّل في ذلك العجز عن تشكيل حكومة برئاسة سعد الحريري على الرغم من الظروف العصيبة التي يمرّ فيها البلد، وهي من النوع الذي لا سابق له منذ قرن كامل، أي منذ الاعلان عن قيام لبنان الكبير. يكشف هذا العجز ان لبنان لا يعاني من ازمة نظام لم يعد قادرا على انتاج حكومة فاعلة فقط. بل يعاني قبل ايّ شيء آخر المعاناة من ازمة وجودية. في موازاة العجز عن تشكيل حكومة، لم يعد هناك ما يضمن اجراء انتخابات نيابية في المستقبل. لنفترض انّه أجريت انتخابات بعد عامين، ما القانون الذي سيعتمد في هذه الحال؟ هل سيعتمد القانون الحالي الذي على مقاس «حزب الله»، أي القانون الذي سمح لقاسم سليماني قائد «فيلق القدس» في «الحرس الثوري» الإيراني بالقول بعيد انتخابات ايّار 2018 ان ايران صارت تمتلك أكثرية في مجلس النوّاب اللبناني؟ لنخرج من موضوع الانتخابات النيابية، يبدو مطروحا اكثر من ايّ وقت هل ميشال عون آخر رئيس للجمهورية في لبنان؟

ما يدعو الى التشاؤم ان لبنان وجد، بعد خروج ميشال عون من قصر بعبدا في الثالث عشر من تشرين الاوّل 1990، من يلملم جروحه ومؤسساته ومن يعيد بناء بيروت. كان هناك تضامن عربي واسع مع لبنان. كانت هناك رعاية دولية للبلد. بين سبتمبر 1988 وتشرين الاوّل 1990، دمّر ميشال عون كلّ ما يستطيع تدميره وهجّر اكبر عدد ممكن من المسيحيين من لبنان. خاض كلّ أنواع المعارك التي لا منطق ولا افق لها مع الشركاء المسلمين في الوطن ومع «القوّات اللبنانية». نقل الجبهة الى القليعات في كسروان والى الضبيّة قرب بيروت...

تكمن مشكلة اللبنانيين، خصوصا المسيحيين منهم من الذين لا يمتلكون ايّ ذاكرة من ايّ نوع، انّهم نسوا ما تسبّب به ميشال عون في تلك المرحلة. نسوا انّه راهن على صدّام حسين معتقدا انّه سينتصر على حافظ الأسد وعلى انّه لن يكون هناك ضوء اخضر أميركي واسرائيلي يسمح لسلاح الجوّ السوري بقصف قصر بعبدا. يروي زميل وصديق، كان يعمل مع «وكالة الصحافة الفرنسية» (آ. اف. ب) في بيروت انّ اتصالا حصل بينه وبين ميشال عون مساء 12 تشرين الاوّل وانّه ابلغ الأخير ان القرار اتخذ باخراجه من قصر بعبدا وانّ سلاح الجو السوري سيقصف القصر. كان ردّ عون انّه يستبعد ذلك نظرا الى ان موفدا له سيلتقي غازي كنعان في عنجر يوم 13 تشرين الاوّل. حاول الصحافي اللبناني، بحضور مدير مكتب الوكالة في بيروت، وهو فرنسي، إقناعه بانّ معلوماته اكيدة ومصدرها موثوق به، لكنّه لم يفلح في ذلك. ما تكشفه هذه الواقعة انّ ميشال عون كان يقاتل «القوات اللبنانية» و«القوّات» تقاتله، بدبابات تقاسمها الجانبان بعد وصولها من العراق، وكان يفاوض في الوقت ذاته دمشق!

ما تغيّر بين 1990 و 2020 ان ليس هناك حاليا من سيلتقط لبنان الذي سيبدو ان عليه دفع فواتير غالية الثمن غير قادر على تسديدها نتيجة التسوية الرئاسية التي جاءت بميشال عون الى قصر في العام 2016. لعلّ أسوأ ما في الامر ان اهل الخليج نفضوا يدهم من لبنان. لم يعد لبنان يعني لهم شيئا باستثناء انّه قاعدة إيرانية متقدّمة على البحر المتوسط.

على ماذا يراهن العهد حاليا؟ هل رهانه على انتصارات سيحقّقها «حزب الله» ومن خلفه ايران وعلى استسلام الإدارة الأميركية الجديدة امام «الجمهورية الإسلامية» وتلاوتها فعل الندامة على تصفية قاسم سليماني وعقدها لصفقة معها انطلاقا من إعادة الحياة الى الاتفاق في شأن الملفّ النووي الإيراني؟

قد يكون السؤال الاهمّ هل رهانات 2020 لميشال عون وصهره جبران باسيل، الذي لم يدرك بعد خطورة العقوبات الأميركية التي فرضت عليه، ستكون افضل من رهانات 1990؟ الجواب بكلّ بساطة انّها لا يمكن ان تكون افضل، لا لشيء سوى لان ما على المحكّ مصير لبنان الذي يفوّت حاليا على نفسه فرصة قد تكون الأخيرة لإنقاذ ما يمكن إنقاذه، عبر تشكيل حكومة اختصاصيين.

يبدو النجاح في التقاط مثل هذه الفرصة من نوع المستحيل. معنى ذلك بكل بساطة ان الانهيار الحاصل مستمرّ، وهو انهيار لا يوجد، الى اشعار آخر، من يريد إيقافه عند حدود معيّنة.