pdf
رئيس التحرير وليد جاسم الجاسم

خواطر صعلوك

أكبر من مجرد بطيخ !

خرج المتنبي ذات يوم من الكوفة إلى بغداد، ومعه خمسة دراهم ذهب بها إلى السوق، فمرّ بصاحب دكان لبيع الفاكهة، ورأى عنده خمساً من البطيخ... فسأل البائع: - بكم تبيع هذه الخمس بطاطيخ ؟

قال البائع: - ثمنها عشرة دراهم !

ساوم المتنبي البائع، ولكنه رفض بشدة، واستهان به وكلمه بلا اكتراث، وإذا بشيخ من التجار قد خرج من بيته يمرّ بالسوق، فوثب صاحب الدكان ودعا له،

وقال: - يا مولاي، هذه خمس بطاطيخ باكورة، لو سمحت لي أن أحملها إلى بيتك ؟

فقال له التاجر: - ويحك، بكم هذه ؟

فرد البائع إنها بخمسة دراهم، فساوم التاجر «بل بدرهمين».

فباعه الخمسة بدرهمين وحملها إلى داره، ودعا له وعاد إلى دكانه مسروراً بما فعل.

استغرب المتنبي هذا الفعل من صاحب الدكان، وقال له: ترفض مني خمسة دراهم... وتبيعها له بدرهمين ! فقال له البائع: اسكت...! هذا يملك مئة ألف دينار. انتهى.

ما الذي تحكيه القصة ؟ وما المسكوت عنه فيها ؟ إنها تقول إنه كلما زاد مركزك الاجتماعي والمالي، قلّت التكاليف عليك، وعندما تكون محدود الموارد فإن التكاليف تزيد عليك.

مُكلف جداً أن تكون فقيراً، فنسب فوائد القروض، ونسب فوائد الأقساط على سيارتك أو هاتفك أو أجهزتك الكهربائية، تجعلك تأخذ الأشياء بأسعار أعلى، بالإضافة إلى تقليل مساحة حريتك المالية، ضف إلى ذلك معاناة 75 في المئة من الشباب المتزوجين من القضية الإسكانية، ودفعهم الإيجار المستمر، كل ذلك يُظهر ما يسمى عواقب غياب ثقافة الادخار وانتشار ثقافة الاستهلاك، في مجتمع ليس بين مواطنيه فقير بالمعنى المتعارف عليه، ولكن أبعاد الفقر ظاهرة في نتائجه.

ذات يوم كنت في «وكالة للسيارات» لكي أشتري سيارة، وكان يجلس أمامي رجل ذو ثقل اجتماعي ومالي، وأراد أن يشتري لسائقه سيارة، فوصلت رسالة لمدير المعرض بأن يبيع له بخصم كبير، أما أنا محمد العطوان، راجياً عفو ربه المنان، فقد بيعت لي السيارة بسعرها المعروض وبنسبة فوائد 6 في المئة على خمس سنوات... وكان لابد أن أصمت لكي لا يقول لي مدير المعرض ما قاله صاحب الدكان للمتنبي ! ما بين دائرة الفقر ودائرة الغنى تتشابك وتتقاطع الكثير من المفاهيم والأفعال الاجتماعية، فما يقدم لهذا الرجل على شكل هدية، يقدم للآخر على شكل صدقة، وما يقدم عبر «الواسطة» لأحدهم من أجل تبادل المصالح، يقدم للآخر على شكل «شفاعة» في اتجاه واحد.

نسبة 96 في المئة من الشباب تعاني من الواسطة والمحسوبية، و95,2 في المئة من الشباب والشابات لديهم حب للمظاهر والتفاخر، و90 في المئة من الشباب يعاني من غلاء المهور.

يجد المجتمع نفسه يقف أمام مرآة تعكس أفعاله، وتردها عليه، فالاستثمار في المعروف وتقليل التكاليف عليه، لا يسمح له بالمبادرات الناشئة والخروج إلى العلن، إلا بعد دفع أثمان كبيرة قد يصل أحدها لعدم القدرة على المنافسة.

@Moh1alatwan