pdf
رئيس التحرير وليد جاسم الجاسم

رؤية ورأي

الحريّات بين صقور وحمائم المعارضة

الوثائق البرلمانية المتاحة على موقع الأمانة العامة لمجلس الأمة، تحتضن الكثير من الشواهد على النزعة القمعية المقيّدة للحريات لدى نوّاب ما يسمى بالمعارضة. وانطلاقاً من تخوّفي منهم على مستقبل الحريات في وطني، حرصت على كشف هذه النزعة من خلال سلسلة طويلة من المقالات التي طالت العديد منهم، كالسعدون والحربش والطبطبائي والوسمي، وكان المقال الأخير من نصيب الدكتور حسن جوهر. حيث عرضت فيه عدداً من التناقضات بين إرثه البرلماني وبين شعاراته وتصريحاته في شأن الحرّيات.

المجاميع الإعلامية التابعة للمعارضة تدرك جيداً بشاعة مواقف رموزها في قضايا الحرّيات، ولذلك لجأت كعادتها إلى تحصينهم من النقد الموضوعي، بتجديد شعارات اختلقوها، من قبيل «رموزنا فوق الشبهات»، علماً بأن مقالاتي مقتصرة على الحقائق المدعّمة بالأدلة والبراهين وخالية من الشبهات.

من جهة أخرى، لجأت تلك المجاميع إلى تحريف قواعد المنافسة الانتخابية النزيهة، فسعت إلى الخلط بين النقد الموضوعي المبني على وثائق رسمية وبين الانتقاص الظنّي، وإلى محاكمة المبلّغ عوضا عن الجاني، وإلى اختزال مجموعة النوّاب الذين استعرضت سيرهم البرلمانية في مقالاتي - بالإشادة أو التنديد - إلى شخصين.

على الضفة الأخرى، وصلتني العديد من التساؤلات الموضوعية والتعقيبات الإيجابية في شأن المقال الأخير، كان من بينها مسعى لتفسير إصرار اللجنة التعليمية على إضافة عقوبة الحبس في المادة (27) من قانون المطبوعات والنشر، مستنداً على ارتباط المادة بقوانين أخرى (كقانون الجزاء) من خلال الجملة: «مع عدم الإخلال بأي عقوبة أشد ينص عليها قانون آخر».

بالطبع هذا التبرير لن يصمد أمام حقيقة أن المادة التي تسبقها ورقمها (26) تتضمن الجملة ذاتها، وتشوبها إمكانية استيراد عقوبة حبس إليها من قوانين أخرى، ولكن اللجنة التعليمية أصرّت على إضافة عقوبة الحبس إلى المادة (27) فقط من دون المادة (26) ومواد أخرى.

أضف إلى ذلك، أنه كان بإمكان اللجنة اتباع بدائل وخيارات أخرى لا تتضمن عقوبة حبس، منها على سبيل المثال شطب تلك الجملة، وهذا هو الخيار الذي تبنّاه الشطي في الاقتراح بقانون الذي تقدّم به بمعية النصف والرويعي والحريص والفضل.

حيث اقترحوا شطب تلك الجملة من نص المادة (26) من القانون (وهي المادة الخاصة بتحديد عقوبة كل مخالفة لأحكام مواد الفصل الأول من القانون) لحجب استيراد عقوبة حبس إليها.

ولكن المعارضة والحكومة تمكنتا من إسقاط الاقتراح وتحصين هذا القيد المكبّل للحريات الفكرية.

هناك مجموعة من النوّاب الذين يتعاطون مع الحريات بازدواجية وبمعايير خلافية، ومنهم النائب الدكتور عادل الدمخي، الذي تحدّث في جلسة 19 أغسطس 2020 معترضاً على اقتراح تجريم «إثارة الفتن الطائفية أو القبلية أو نشر الأفكار الداعية إلى تفوّق أي عرق أو جماعة أو لون أو أصل أو مذهب ديني أو جنس أو نسب، أو التحريض على عمل من أعمال العنف لهذا الغرض»، وكان مسوّغه حماية الحرّيات، ولكنه بعدها بدقائق معدودة تحدّث معترضاً على اقتراح إجازة إذاعة «بحث في دين أو مذهب ديني، في محاضرة أو مقال أو كتاب علمي، أو كتاب فكري، بأسلوب هادئ متزن خال من الألفاظ المثيرة»، بذريعة أنها «تنسف أي نوع من أنواع الحريات»، وأعقبهما بالتصويت ضد اقتراح الشطّي بإلغاء عقوبة الحبس المستوردة عبر المادة (26)! رغم خطورة صقور المعارضة (المتّسقين مع قواعدهم الانتخابية في شأن الحريّات) على مستقبل الحريّات في الكويت، إلا أن الأشد ظلماً منهم هم السعدون وجوهر والوسمي وسائر حمائم المعارضة، لأنهم ينجحون بأصوات تطالب بالمزيد من الحريات، ولكن نهجهم البرلماني متناغم مع نهج الصقور. وأحدث الشواهد على ذلك، تجاهلهم تصويت الصقور ضد اقتراح الشطي... «اللهم أرنا الحق حقاً وارزقنا اتباعه».

abdnakhi@yahoo.com