pdf
رئيس التحرير وليد جاسم الجاسم

تحدّثتْ عن روايتها الجديدة «أن تعشق الحياة»

علوية صبح لـ«الراي»: لهذا أغار من بطلاتي

في توليفةٍ من الواقعي والمتخيَّل، تُعيد الكاتبةُ اللبنانية علوية صبح في روايتها الجديدة "أن تعشق الحياة" صوغَ التناقضات، لا بإبطال جاذبية التضاد ولا بصَهْر عوامل الإبهار، بل بإبقاء باب الحفْر في الشخصيات المختلفة والمتباينة مفتوحاً على الكثير من المفاجآت لها وللقارئ معاً، فيَظْهَرُ المقصودُ وغير المقصود في بناء الشخصيات وهنْدسة المكان والزمان وتَوالي الأحداث وما تؤول إليه على هيئة مساحةٍ مترامية للتأمل في كل من الموت والحب والحياة والزمن والصداقة.

في "أن تعشق الحياة"، حيث "بسمة" هي راقصةُ مسرحٍ والبطلة الرئيسية والراوية التي تتقاطع مع حياتها المتخيَّلة تجربةُ الكاتبة مع المرض العصبي الذي مرّت به، مستوياتٌ متعدّدة للغةٍ تَنْسابُ بسلاسةٍ وتدْمغها قساوةٌ هنا وشعريةٌ هناك، وفيها أيضاً فنّيةٌ عالية في إبراز التقاطُع بين الزمن العربي، وفيه انهيارُ مدنٍ تشهد حروباً وانهيار جسد الراوية/ الكاتبة الشخصي، وشخصيات أخرى ـ كيوسف وأمينة وأنيسة ونزار وأحمد ـ تلبّستْها صبح جميعها عند الكتابة، حتى تلك التي قد يكون لها موقف معها في الحياة.

وفي الرواية دورٌ للمجال الإفتراضي في موازاة ما يقابله روائياً من واقعي ـ متخيَّل، وعلاماتُ استفهامٍ هي بمثابة نهايات مفتوحة.


عن هذا العمل الذي صدر أخيراً لكاتبة "اسمه الغرام" و"دنيا" و"مريم الحكايا".. كان لـ "الراي" حوار مع الروائية علوية صبح في ما يأتي نصه:
  • "أن تعشق الحياة" في زمن الأوبئة والموت الذي يهدّد العالم ... هل جاء تَزامُن اختيار العنوان مع ما نعيشه في ظل أجواء "كورونا" صدفةً؟
ـ بالتأكيد ليس صدفة، إنه مُناسِبٌ للرواية وللزمن الذي نعيشه. فإن لم نعشق الحياة لا نستطيع أن نبنيها ولا أن نمتلئ بها ولا أن نقاوم الأوبئة النفسية ولا الفكرية ولا الأصولية ولا المناخية. فهناك أوبئة تطال الإنسان والمناخ.

والعنوان يحمل روحَ النص رغم ما فيه من مآسٍ ومن تحوّلات في حياة الراوية بسمة ـ البطلة الرئيسية في الرواية ـ وما يحدث لها. إذ لو لم تعشق الحياة لما استطاعت أن تقاوم مرَضَها وأن تحاول أن تعيد جسَدَها المتمرّد عليها بالمرض العصبي الذي أصابها، ولا استطاعت أن تتجاوز كل المَخاطر التي مرّت بها في حياتها.
  • كثر يؤجّلون في مثل هذه الظروف الراهنة صحياً ومادياً (خصوصًا في لبنان) نتاجاتهم الفنية والأدبية ريثما تتحسن الأوضاع .. ما الذي دفعك إلى النشر؟
ـ ما دفعني إلى النشر هو الرضا عن الرواية. فأنا لست من الذين يكتبون كل عام رواية، بل أعطي وقتاً للكتابة، وأحياناً تمرّ سنوات طويلة لا أُصْدِرُ خلالها أي رواية، ما لم أكن اقتنعتُ بأنها تحترم الكلمة والقارئ بعيداً من أي حسّ تجاري أو تسويقي.

ورواية "أن تعشق الحياة" التي نتحدّث عنها صدرتْ بعدما أكملتُها.
  • هل شعرتِ بأن صدور الرواية قد يشكّل كوةً في جدار الأزمات التي نعيشها، فتُثني عن التشاؤم والإحباط وتشجّع على التفاؤل؟
ـ أنا لا أكتب ضمن رسالةٍ معينة، في هذه الظروف أو غيرها، بل أعبّر عمّا أريد أن أعبّر عنه. ومع ذلك فإن كل رواية تحمل مقولةً أو خطاباً ما، لكن بعيداً من الإيديولوجية والرسائل المباشرة. والعمل الفني له أبعاده ومستوياته على مستوى عالم الرواية المتعدّد، فكل رواية تحمل في طياتها وشائج وقضايا كثيرة هي عمل فني بامتياز، مهما تودّ أن تعبّر عنه. وأنا أضع الفنيةَ نصبَ عيني كأساس أتمسك به.

ورواية "أن تعشق الحياة" لا تحمل رسالةً، بل مقولات. فكما عادتي أحاول أن أحفر بالشخصيات وأن أكتشف وأن أواجه وأن أعبّر عن المسكوت عنه في العلاقات الإنسانية. وهذه الرواية هي نتيجة تقاطعتْ فيها تجربتي الخاصة مع المرَضَ العصبي الذي مررتُ به لسنوات طويلة، أما المخيّلة فقد جعلتْني أبني للبطلة حياةً مختلفة عن حياتي.. ما يعني أن في هذا العمل ما هو واقعيّ مع الخيالي.

إلى ذلك، تحمل الرواية هذا الزمن العربي، بالتحديد البلدان التي مرّت بحروب، بحيث يتقاطع جسدي الشخصي مع أجساد هذه المدن، لناحية انهيار هذا الجسد الشخصي وانهيار المدن، لكن بفنّية وبسرْد روائي خاص.
  • شخصيات أعمالك هم أبناء المَقاهي التي تكتبين فيها، فكيف تأثّرت بالعزلة التي فرَضَها انتشارُ وباء "كورونا" وجعلتْنا حبيسي الجدران.. هل اختلف الأمر؟
ـ في الرواية بعضٌ مما سمعتُه في المقهى من مجالس الرجال في حديثهم حول النساء. وأنا استمريت في الكتابة في مقهى منعزل ونظيف وفيه قدر من الحماية.
  • بطلة روايتك اسمها بسمة وحياتها تراجيدية، هل كان هذا التناقض متعمّدًا؟
ـ ربما. لا أدري فالكتابة هي حالة من الوعي واللا وعي. أذكر أنني حين كتبتُ رواية "دنيا"، لم أنتبه أن البطلة اسمها دنيا وأن البطل اسمه مالك، أي زوجها المشلول والذي يحرّك حياتها بحركة عينيه، وكأن الرجل هو مالك حياة المرأة.

في هذه الرواية هناك أسماء كثيرة، ربما لها دلالات، ولكن بالتأكيد شعرتُ لحظة أسميتُ البطلة بسمة بأن الإسم مُناسِبٌ لها، فجسدها كان دائم الإبتسام وهي بسمة لأن أمها كانت تشعر بأنها تضحك في رحمها قبل أن تولد، ومَنَحَتْها هذا الإسم لأن القمر كان يأخذ شكل الموزة وشكل البسمة. وكل حياة البطلة تحدّيات وايجابية في التعاطي مع كل ما حدث لها من حياة تراجيدية.
  • شخصية مريم في روايتك "مريم الحكايا" كانت ـ وفق تعبيرك ـ توأمك، ماذا عن بسمة؟
ـ بسمة راقصة مسرح ومصمّمة مسرح تتقاطع معي في قدرتها على مواجهة المرض، وفي حالتها الصحية في هذا الزمن وخلال الحرب الأهلية، فأنا لا أعرف لماذا دائماً في الحروب يُصاب جسدي بالمرض. ربما لأن العنف يؤذيني بكافة أشكاله. وأنا أكتب عمّا يؤلمني ويُفْرِحني. وصديقة بسمة الروائية أنيسة، التي كانت تكتب التحقيقات، قاومت الشللَ الذي أصابها بالكتابة. وأقول إن كل كلمة كانت تكتبها كانت تأمر ساقيها بالوقوف.
  • تمرّ خلفية الأحداث في الرواية على حروب قريبة وبعيدة وعلى حوادث تركت ندوباً في واقع الشخصيات وذاكرتها .. هل هذا تأثيرُ هذه الأحداث والحروب فيكِ؟
ـ بالطبع. قلت لكِ إن الحروبَ التي شهدتْها الدولُ العربية أصابتْني بالتأكيد بألمٍ، فأنا أعتبر نفسي لبنانية عربية، وأؤمن بعروبتي. بل توجعني أي مأساة في العالم.

أنا حساسة جداً رغم أنني قوية جداً، بمعنى قدرتي على مواجهة الأشياء. فكما أواجه العنفَ في رواياتي، أتأثّر بكل ما يؤلمني. فليست حياة الفرد منفصلة عن العالم وما يشهده من حروب، أكان في لبنان أو في الدول العربية. لذلك نقرأ في الرواية سرداً روائياً وليس ذهنياً أو ايديولوجياً، وهذا التشابه بين خراب جسدها وخراب المدن التي شهدت الحروب.
  • قتْل الشخصيات في رواية "أن تعشق الحياة" وما سبَقَها من أعمال .. هل هو عمل سهل تنتهي إليه الأحداث أم قرارٌ صعب يتطلّب الكثير من الشجاعة؟
ـ كل عمل روائي ناجح يتطلب شجاعةً وصبراً واختراقًا لعالم الشخصيات وحفْراً في دواخلها. بالنسبة لي الرواية هي سفَر في عالم الواقع والخيال، وهي تتحدث عن الموت والفقد والحرب والحب وكل ما مرّ في حياة الراوية بسمة.

أنا أشتغل بتأنٍ وصبر، ولا أستطيع أن أكتب عن الشخصية ما لم أتلبّسها. أنا أتلبّس كل الشخصيات حتى تلك التي قد يكون لي موقف معها في الحياة؛ أحاول أن أتفهّم مشاعرها وأن أغوص في أعماقها وأن أقدّم للقارئ عملاً يحمل الهاجس الفنيّ والمعرفيّ في آن.
  • هل النهايات بالنسبة لك سياقٌ حتْمي أم مفاجآت لك ولمَن يقرأ؟
ـ في أحيان كثيرة، تكون النهاية مفاجأة لي. أشعر بأنني أكتب ليس لأنني أعرف بل لأكتشف. والرواية أحياناً هي التي تقودني ولست أنا مَن يقودها. يجب أن يكون هناك إقناعٌ في كل عمل روائي وليس فقط تخيُّل. فالشخصية يجب أن تكون مُقْنِعة، والنهايات في هذه الرواية كما في كل رواياتي مفتوحة. ففي الفصل الأخير تؤدي البطلة رقصة الشفاء وأسميها رقصة الحياة، وتسأل هل في الحب شفاء؟ لأنها تشعر بأنها مُقْدِمَة على حب جديد.

أنا تركت ضوءاً لأنني أؤمن بقدرة الحب على الإنتصار على كل الأشياء.
  • بالعودة إلى مريم قُلتِ أنك شعرتِ بالغيرة منها بعد الفراغ من الكتابة .. ما موقفك اليوم من بسمة؟
ـ أحيانًا ورغم أنني أنا الكاتبة ربما أشعر بالغيرة من كل راوية، لأنني أتفاجأ وأنا أكتب بقدرة الراوية على السرد وأنسى أنني أنا الساردة.

بالنسبة إلى بسمة، لا تنحصر المسألة في كل رواياتي بالغيرة فقط، وإنما أتعلّم من بطلاتي أشياء كثيرة وكأنني أكتب لأتعلم الحياة أو لأكتشفها.