pdf
رئيس التحرير وليد جاسم الجاسم

ترشيد الدعم يزيد من المَخاوف

«كابوس» فقدان السلع الأساسية يُسابِق تشكيلَ الحكومة في لبنان

كابوس رفع الدفع يؤوق الشعب اللبناني
كابوس رفع الدفع يؤوق الشعب اللبناني

- 3.7 مليار دولار من احتياطي العملات الأجنبية قابل للاستخدام فقط

يشكّل الواقعُ المالي - الاقتصادي الكارثي وتداعياته الاجتماعية - المعيشية «الحليفَ» الأهمّ للرئيس سعد الحريري، في مشواره الصعب نحو تشكيل حكومةٍ جديدة جوهر مهمّتها «الوصفة» الفرنسية للإنقاذ.

ولم يعد اللبنانيون يأبهون لمؤشراتِ التدهور المتعاظمة مالياً ونقدياً، بقدر ما يَنْصرفون الى تموينِ الغذاء والدواء ظناً بتأخير حاجتهم لسلعٍ أساسية تَقيهم شرور الجوع والمرض، وهم مقبلون على همّ داهم لا يقلّ ثِقلاً يفرض عليهم السعي لتأمين التدفئة على أبواب فصل الشتاء بأي تكلفة معروضة مع ندرة مادتيْ «المازوت» والغاز المنزلي المدعومتيْن.

ولا خيار واقعياً أمام المستهلكين سوى الأخذ بأنباء السوق ووقائعها، فهي «الأصدق»، بعدما اختبروا سنة كاملة من الإحباطات وتوالي الانهيارات، وحتى «لا يُلدغوا» مرة جديدة من وعود ترشيدِ الدعم تمهيداً لرفعه، والذي يتم الترويج له عبر آلياتٍ لم تستقر حتى الساعة، من بطاقات الدعم النقدي للمستحقّين إلى تقليص التمويل في بند المحروقات.

وقد أملى إنذارُ حاكم مصرف لبنان رياض سلامة، بقرب نفاذ احتياطات العملات الصعبة القابلة للاستخدام في دعم استيراد السلع الأساسية والغذائية، إيقاعات غير مسبوقة في أسواق الاستهلاك، وقواعد سلوكٍ مكتسَبة في أوساط المستهلكين الذين يترقّبون بقلقٍ مسارَ تأليف الحكومة، الذي يأملون أن يُنجز بسرعة وفق قواعد تؤسس لاستعادة ثقة الخارج.

وإذ لا يُفْصِحُ البنك المركزي عن مندرجات بياناته المالية الدورية، فالرقم الأحدث منتصف الشهر الجاري يدلّل بأن إجمالي الاحتياط من العملات الصعبة تدنّى إلى 25.93 مليار دولار، متضمناً محفظة سندات حكومية دولية «يوروبوندز» بقيمة 5 مليارات دولار، وهي غير قابلة للتسييل كون قيمتها السوقية تناهز 15 في المئة فقط من القيمة الأصلية المعلنة.

وبذلك يصبح رقم الاحتياط نحو 20.7 مليار دولار، بما فيه نحو 17 ملياراً تمثل الاحتياط الالزامي على الودائع الدولارية في البنوك.

حسابياً، وبعد استبعاد مبالغ احتياطات الودائع التي صنّفها سلامة كخط أحمر لا يمكن تجاوزه، يتبقى «نظرياً» نحو 3.7 مليار دولار من الاحتياط القابل للاستخدام، بما يشمل مصاريف الدولة الخارجية، وتسديد مستحقات ديون دولية من خارج محفظة «اليوروبوندز» المعلَّقة الدفْع بموجب القرار الذي اتخذته حكومة الرئيس حسان دياب، في النصف الأول من مارس الماضي.

وبالقياس، تَظْهَرُ النتيجةُ دراماتيكيةً في معطياتها، فالنزف المتواصل من الاحتياط زاد قليلاً عن متوسّط المليار دولار شهرياً، إذ تراجعت قيمة الموجودات الخارجيّة لمصرف لبنان بنسبة 32.62 في المئة، أي ما يوازي 12.44 مليار دولار مقارنةً بالمستوى الذي كانت عليه في منتصف شهر أكتوبر 2019، والبالغ حينها 38.13 مليار دولار.

ويتطابق هذا المنوال الجاري للصرف من الاحتياط، مع تحذيراتِ حاكم «المركزي» من أن المخزون الباقي من العملات الصعبة بالكاد يكفي حتى نهاية العام الحالي.

وعلى طريق «الجلجلة»، تبرز مفارقات موجعة في حقيقتها، ومغزاها تُصاحِب تَفاقُمَ الأوضاع المعيشية في البلاد، فالتعاظم المشهود في فقدان الكثير من السلع المستورَدة وصل إلى المواد البسيطة كالبيض ودواء «البنادول» الأرخص ثمناً والأكثر شهرة بين العقاقير المسكنة.

وبالتوازي برز تنشيطٌ استثنائي لعملياتِ تهريب كل المواد المدعومة عبر المَنافذ البرية والمطار، حيث ترد يومياً تقارير أمنية عن ضبط كميات مهرَّبة خصوصاً عبر المطار قاصِدة العراق ومصر وتركيا.

كما وصلت العدوى إلى المقيمين المغادرين للعمل أو الاقامة في الخارج، بحيث أصبحت أسعار الأدوية في الداخل جاذبة جداً كونها الأرخص عالمياً.

وفي هذا السياق كان بدهياً ألا تَحْدُثَ ضجة كبيرة أو مساءلة قانونية عقب تصريح وزير الطاقة في حكومة تصريف الأعمال ريمون غجر، بأن «المازوت يتبخّر ونريد أن نعرف أين تذهب الكمّيات ما بين التخزين والتهريب».

فالكل يعلم حقيقة «التبخّر» وما يتمّ تحت عيون الدولة وأجهزتها و«بالصوت والصورة»، حيث كانت تتسلّل الصهاريج يومياً عبر عشرات المعابر الحدودية مع سورية، قبل أن يجري استبدالها «خفراً» بوسائل «الضخّ» عبر خزانات أنابيب «عابرة للحدود».

وفي المستجدّ، ما كشفه وزير الصحة في حكومة تصريف الأعمال حمد حسن، عن وجود كميات من الأدوية في المستودعات المُصادَرة لدى الشركات المستوردة تكفي لشهرين أو 3 أشهر، فيما يتوسع تعميم جواب «غير متوافر» أو «مقطوع» لعشرات الأصناف من الأدوية، ولا سيما المخصصة للأمراض المزمنة كالسكري والضغط والقلب وعلاجات «السرطانات» على أنواعها.

ويَتكرر مشهد صفوف المواطنين أمام الصيدليات، توخياً لحصة من العقاقير «المختفية»، وتَحَوُّطاً لانضمام المتوافر إلى الندرة والانقطاع.