بوح صريح

الانتباه لقول اللغة

يوصي مارتن هيدغر بـ«ضرورة الانتباه إلى ما تقوله اللغة».

وليس الانتباه لما نقوله أو يقوله الآخر.

بل إلى ما تشير إليه اللغة مباشرة.

من دون تفحص للنوايا والقصد والحيل المختبئة... بل لمعنى اللغة بصدق وبساطة.

الفلسفة تروّض اللغة. تذيبها ثم تعيد تشكيلها.

تستنطقها وتجعلها بصيرة ومستبصرة، وقادرة على استشراف الغد وما يليه.

الفلسفة قادرة على ابتكار لغة خاصة بها.

تنصت إلى هذيانها ومنطقها. وتقرأ أبعادها.

إضافة إلى أن - كل فيلسوف - هو نتاج بيئته وظروفه.

كذلك هو نتاج لغته، التي هي بدورها نتيجة له.

فكل منهما - الفيلسوف واللغة - يُخلق من الآخر.

نمط تفكير الفيلسوف يجعله يبتكر لغة تليق به.

تفهمه وتمنطق وتسهّل عليه طريق الفكرة الوعر.

تزيل الأشواك والعراقيل من درب تسلسل الفكر وتتابع المنطق فيه.

وصولاً إلى الحقيقة.

«لوغوس» باليونانية هو العقل. حين يتصل بالوجود ويكون جوهر كل شيء.

يستخدمه الفيلسوف فيلهلم فون هومبولت تعبيراً عن شبكة صيد السمك المجازي، ولتأكيد أهمية طريقة استخدام العقل.

فبحسب حجم الشبكة وطريقة إلقائها والمكان الذي تلقى فيه، يمكن أن تجلب صيداً وفيراً.

وكذلك العقل، تكون فائدته بحسب حسن استخدامه.

هل يستطيع الفيلسوف اختراع لغة خاصة به؟

وما الفرق بينه وبين الشاعر والروائي وصانع السينما، الذين يبتكرون صوراً ناطقة مختلفة وجديدة عما سبق؟

من هو القادر على امتلاك أدوات اللغة المؤثرة؟

من القادر على ابتكار اللغة، المكتوبة أو المنطوقة أو المرئية؟

وهل يملك الحق في ذلك؟

وهل يعني ذلك مسح كل ما سبق من اجتهادات لغوية... والبدء من الصفر؟

لذا لا أتفق مع هيغل بقوله إن «كل شخص يمكنه أن يتفلسف، ويقدر الفلسفة على الفور، لأنه يمتلك وحدة القياس الضرورية في منطقها الطبيعي»، كما يشير في مقدمة كتابه «فينمولوجيا الروح»، فكيف يمكن لإنسان عادي امتلاك وحدة القياس الضرورية لمجرد معرفته للغة.

الفيلسوف هو القادر على ذلك.

أو الشاعر الموهوب أو الروائي الفذ المتحكم... وليس رجل الشارع.

قال سقراط في القرن الرابع قبل الميلاد، عبارته الشهيرة: «اعرف نفسك بنفسك».

ولكننا لا نزال نسعى إلى الإعلام والآخر والقانون والعادات والتقاليد، وقبول الناس ومحبتهم ورأيهم عنا، وتقييمنا عبر وسائل التواصل الاجتماعي المزيفة الافتراضية... لمعرفة أنفسنا.

لذلك لن ندرك أبداً حقيقتنا. كل ما لدينا هو صور مشوهة عنا.