خواطر صعلوك

للفتيات... احذروا الذئب الإلكتروني!

يسير الذئب الإلكتروني بين حسابات أبنائنا وبناتنا، في شبكات التواصل الاجتماعي المختلفة، تويتر وانستغرام، يتشمّم هنا وهناك، يدخل على الصور، يراقب ثقة صاحب الحساب من نفسه، يترصد... يحدّد الهدف، يقترب أكثر، ثم يضغط «لايك» على صورتين أو ثلاث، ينتظر... ثم يبادر.

يرسل رسالة على «الخاص» يقول فيها كلاماً يشبه كلام «برجك اليوم»، يتسم بالعمومية وتعمُد تضخيم ذات المرسل إليه، حيث بالتأكيد سيجد له موقعاً داخل نفس المرسل إليه، ولأن طبيعة البشر تحب أن يُحللها الآخرون ويقولون لها ما تريد أن تسمعه، وليس ما تحتاج أن تسمعه... فإن الذئب الإلكتروني يرسل هذه الرسالة لإحدى الفتيات على «الخاص» ويقول لها:

«مشكلتك الحقيقية في الحياة أنك تريدين أن تكوني «صح»، ملامحك تكشفك ويظهر عليك الحزن، صريحة ومثالية أكثر من العادي، قديمة في تفكيرك وما زلتِ تثقين فيمن لا يستحق، تصدقين الآخرين طالما بدت عليهم الجدية وأنهم يملكون ضميراً، مشكلتك أن الذي يحكم علاقتك بالناس هو ضميرك وقلبك، لا تعرفين الكذب ولا تجاملين في الحق، مشكلتك أنك تريدين أن تفهمي وتمارسي حقوقك، وإذا أحببت شخصاً فأنتِ تحبينه من القلب، أنت إنسانة راقية ولا مانع عندك أن تعتذري إذا أخطأتي، وعلى فكرة أنت شخص كريم جداً لأنك بنت أصول وتمت تربيتك على عزة النفس».

انتهى.

عزيزي القارئ، تعال نلعب معاً لعبة بعنوان «ماذا لو»، نطرح فيها مجموعة من الأسئلة عن هذه الرسالة، وعن صاحبها وعن المرسل إليها، وندع الأجوبة متنوعة حسب السياقات المختلفة.

ماذا لو أُرسلت هذه الرسالة من شخص غريب على وسائل التواصل إلى فتاة مراهقة، لا تجد أحداً يسمعها في بيتها ؟

ماذا لو تفاعلت إحدى الفتيات مع هذا الذئب الإلكتروني، الذي يملأ كلامه بـ«مشكلتك»، ليقول لها بشكل غير مباشر «عندي الحل»... ما عواقب هذا التفاعل؟ وما الحلول التي سيُقدمها رجل يدعي أنه يعرف الآخرين، من خلال صورهم على الشبكة ؟

ماذا لو كان الذئب الإلكتروني متخصصاً في إرسال هذا النوع من الرسائل إلى الفتيات الصغيرات والمراهقات، من أجل البحث عن تفاعلهن ثم ابتزازهن في ما بعد؟

كيف نجعل بناتنا وأبناءنا محصنين من هذا الخداع الرقمي، الذي يبدي الاحتواء لأشخاص لم يجدوا من يحتويهم ؟

ماذا لو كانت هناك فتاة صغيرة، أو حتى امرأة كبيرة تمر بمشاكل، ولا تجد شبكة دعم وإنصات من المقربين حولها، ثم وصلتها رسالة مثل هذه من أحد الذئاب، هل ستكون لديها القدرة على التميز أم تكون لديها الرغبة في الفضفضة أم لديها الفضول لاستكشاف «مَن هذا الذي يعرفني جيداً» ؟

ماذا لو أصبحت لدينا قناعة راسخة مفادها، أن العالم الرقمي وشبكات التواصل الاجتماعي هي مساحة آمنة لأبنائنا وبناتنا... إلى أين يمكن أن تأخذنا هذه القناعة ؟

لا يتوقف الذئب الإلكتروني عن المحاولة... فمنذ يومين أرسل رسالة أخرى إلى إحدى الفتيات التي لم تتفاعل معه، وكانت محصنة بما فيه الكفاية، لكي تعرف أنه مجرد نصاب، يقول في رسالته: «أنت تعيشين في زمن غير زمنك، فلا تشعرين بالغربة إذا شعرت أن الناس تتغير فجأة، وأنهم فقدوا القيم والإحساس والأخلاق، ولا تشعرين بالغربة إذا اكتشفتِ أنك الشخص الوحيد الذي ما زال يحافظ على وعوده، وأن كل خير تقومين به لا يرد لك، وأن من كنت أنت سبب سعادتهم أصبحوا سبب حزنك، لا تكوني وحيدة لأن المقربين قد تخلوا عنك...» !

وهكذا وعلى المنوال نفسه، يقدم الذئب عرضاً بلاغياً ونفسياً رائعاً، من دون ملل.

يُقال إن دوستويفسكي الروائي الروسي الكبير، أراد أن يكتب دليلاً للسكارى في أنحاء روسيا، ولكن بعد كل سؤال كان يطرحه في الدليل كان يأخذه السؤال إلى شكل آخر، حتى خرج من الدائرة، وقد ترك فيها دليل السكارى وخرج برواية الجريمة والعقاب وسؤالها الكبير.

ما الذي تعرفه عن نفسك، ولا يعرفه عنك الآخرون، حتى لو اعتقدوا أنهم يعرفونك؟

تكلموا مع أبنائكم، ناقشوهم، أنصتوا إليهم... كونوا لهم منارة بحيث إذا وصلتهم رسائل من هذا النوع يشاركونكم بها، ولا يتفاعلون معها... وكل ما لم يُذكر فيه اسم الله... أبتر.

‏@Moh1alatwan