رؤية

ألم الإنقاذ وحق المكاشفة

تناقلت الصحف المحلية تصريحات ساخنة لمحافظ البنك المركزي، بدت موجهة إلى وزير المالية - وإن لم تسمه - أكد فيها المحافظ أنه أبلغ «المعنيين» بضرورة اتباع حزمة من الإجراءات - لم يكشف عنها - لمواجهة الأزمة المالية الخانقة !

بينما جمع خبراء الاقتصاد والمال ومنهم الصندوق والبنك الدوليان ووكالتا التصنيف الائتماني الدوليتان «ستاندرد اند بورز» و«موديز»، بالإضافة إلى الخبراء الكويتيين،أن أزمة الاقتصاد العالمية ستستمر لوقت طويل وأنها قد تتحول إلى كساد عالمي، وأن الكويت غير مستعدة ولا مهيأة لمواجهتها، كاستعداد الإمارات أو السعودية ومعظم الدول النفطية، لعدم اهتمامها عبر السنين بتحصين اقتصادها ضد الأزمات، وبأن الأزمة لا تقتصرعلى تأثير جائحة كوڤيد - 19 وحالة الركود/ الكساد التي تصاحبها فحسب، فهناك التوجه الدولي للاستغناء عن الوقود النفطي واستبداله بمصادر الطاقة النظيفة والمتجددة.

وسبق وأن أعلنت دول عدة عن عزمها التوقف عن تصنيع المركبات التي تعمل بالطاقة النفطية خلال العقدين المقبلين، فإذا أخذنا في الاعتبار أن الوقود يمثل 81 في المئة من قيمة برميل النفط، فيمكن تصور خطورة الأزمة وجسامتها، خصوصاً إذا ربطناها بما يسمى بالذروة النفطية Oil Peak، والتي يتناقص عندها الإنتاج وتنخفض الأسعار، من دون عودة إلى سابق عهدها ومن المتوقع الوصول إليها في العام 2045.

فقد أكدت وكالة ستاندرد اند بورز في تقريرها الأخير أن على الكويت السيطرة على الرواتب، وتقليص الدعوم وفرض النظام الضريبي، بالإضافة إلى استعجال التكويت والإسراع في تنويع مصادر الدخل لتلافي الدخول في دائرة الخطر، ولجأت وكالة موديز للتصنيف الائتماني إلى خفض تصنيف الكويت إذا لم تجد استجابة من الدولة لتوصياتها، ولا تزال الحكومة مترددة في مكاشفة الأمة بحقيقة الأزمة، وضرورات معالجتها، وهي تعلم أن الحكومات السابقة لم تبرهن على قدرتها على الوفاء بالتزامات ومقتضيات المعالجة.

إن فرض النظام الضريبي ضمن الأطر الدستورية لن يحقق وحده العوائد المتوقعة منه في المدى المنظور على الأقل، فالطبقتان الأعرض في المجتمع - الوسطى والدنيا - مثقلتان بالديون ولن تحتملان أي تكاليف أخرى وسيتعذر على الحكومة حالياً التوسع في فرض ضرائب تضيق على الطبقة العليا، لذا فإن الحل الحقيقي والدائم لمواجهة الأزمة والحفاظ على مستوى جيد من الرفاهية للمواطنين، يكمن في زيادة الدخل لتعويض المفقود منه بالتصنيع النفطي إذ يؤكد الخبراء النفطيون أن التوسع في صناعة البتروكيماويات يمكنه تعويض خسائر نقص الطلب على الوقود النفطي، بل ومضاعفة سعر برميل النفط مرات عدة.

لما كان كل من الرواتب والدعوم يستهلك ما بين 70 - 90 في المئة من إجمالي الدخل، فإن من الضروري إعادة توجيه الدعوم وقصر الاستفادة منها على مستحقيها من دون غيرهم، وتكثيف الضغط على القطاع الخاص لتوظيف الكويتيين ما أمكن، والتوسع المستمر في دعم المشاريع الصغيرة والمتوسطة، ودراسة تجزئة الدينار (راجع تقرير كابيتال ايكونوميكس، لجيمس سوانستون)، مع استمرار دعم قدرته الشرائية والسيطرة على الأسعار محلياً، بالإضافة إلى تشجيع الاستثمار الأجنبي وتحديداً تنفيذ الاتفاقية الصينية بترتيبات خاصة مع العراق، وتشمل الاشتراك معاً في مشاريع كبرى كتنفيذ مشروع طرق قطاراته مع حق الانتفاع بها لعدد من السنين.