خواطر صعلوك

ثمّ تعلّمتُ... متى أسقط !

أفتحُ عينيّ، أجد حلقة من الوجوه التي ترتدي البالطو الأبيض، أبدأ في التساؤل دائماً: هل سقطتُ أمام الطلاب في الصف الدراسي؟ نعم، أنا مُعلّم اسمي محمد... ولكن لماذا يرتدي الطلاب في حصة الاجتماعيات بالطو مادة العلوم؟! مَن هؤلاء إذاً؟ لا يبدو عليهم أنّهم طلاب... أين أنا... تذكّر... تذكّر... ها... نعم إنها عيادة الأسنان... وآخر ما رأيته كان ضرس عقلي تعلوه قطرات من دمي! يأخذ هذا المُنولوج الداخلي مدة دقيقة أو 45 ثانية، ثم بعدها أنهض باسم الله.

كان كل شيء على ما يرام، حتى اصطدمت بسنة2011، واكتشفت أنني أُصاب بدوار في الرأس والقلب، كلما رأيت الدم، وكلما كان الشخص قريباً مني أو عزيزاً عليّ زاد الدوار.

كان الربيع العربي هو نقطة الحسم، مشاهد التلفزيون ودماء الثوار والشرطة على السواء تصيبُني بالدُوار، فأنفجر غضباً على الثوار والثورة وعلى الشرطة والأنظمة وعلى الإعلام، ولكن لم يصل الأمر إلى درجة أن أسقط مغشياً عليّ.

تكرّرت الحوادث التي من هذا النوع.

ذات يوم كنت عائداً من العمل وفي اتجاه المنزل، أرسل إليّ ابني الصغير بفيديو احتفالي بسقوط إحدى أسنانه الأمامية، وقد كان مُخلصاً جداً في تصوير التفاصيل، أُصبت بذلك الدُوار اللعين وأنا أقود السيارة، علمت أنني أدخل الآن في عالم الأرواح، وقفت على اليمين سريعاً... واستسلمت.

أفتح عيني، أجد حلقة من الوجوه التي ترتدي ملابس الشرطة، أبدأ في التساؤل: هل سقطت أمام الطلاب أثناء الشرح؟ لماذا يرتدي الطلاب ملابس الشرطة؟ ربما كانت ملابس الكشّافة... مَن هؤلاء؟ لا يبدو عليهم أنهم طلاب، خصوصاً ذلك الذي يقول لي وقد بدت شواربه أكثر كثافة من الطبيعي: - عسى ما شر... شعندك واقف هني؟ أين أنا... تذكّر... تذكّر... ها... نعم... إنهم رجال الشرطة، يا له من نهار... ويا لها من حُجة يمكن أن أقولها قابلة للتصديق! ومع تكرار الحوادث، تعلّمت كيف أتحكم في السقوط مغشياً عليّ... أُصيبت ابنتي بجرح قطعي في يدها، رأيت الدم، أحضرت «البن»، لففتها سريعاً، ركبت السيارة، ذهبنا إلى المستشفى، أدخلتها عيادة الطبيب... وقفت مذهولاً، كمن انتهى من الولادة للتو وقام بدوره الأبوي... بدأ الطبيب في عمله.

خرجت من الغرفة... سرت خمس عشرة خطوة في ممر المستشفى وفي اتجاه حاجز زجاجي شفاف، كان المطر ينهمر خلفه بانسيابية في إحدى ليالي شتاء الكويت الساحرة، كنت آمل أن أسقط أمام هذا المشهد... وكنت أقول لنفسي: «يا له من سقوط درامي»، المطر ينهمر خلف الزجاج، إنه مشهد مناسب للموت في هذا اليوم، وليس فقط السقوط مغشياً عليّ... ولكني سقطت قبل أن أصل... لا بأس... فهذا أفضل كثيراً من السابق.

وما زلت أتعلّم حتى الآن... متى ينبغي أن أسقط... ومن أجل من... وأين... أما النهوضُ فبيد الله وحده... وكل ما لم يُذكر فيه اسم الله... أبتر.

@Moh1alatwan