pdf
رئيس التحرير وليد جاسم الجاسم

بوح صريح

كم أحسدها!

هل الإبداع مرايا الذات؟!

وهل، حين يكون المبدع صادقاً وشفافاً، يتواصل مع «أناه» الأخرى الخفية. من خلال إنتاجه الأدبي أو الفني المسرحي السينمائي...؟!

هل الأدب المكتمل فنياً والفن المتحقق إبداعياً... هما ثمرة مخاطبة الفرد لذاته لحظة صفاء خارقة مع الطبيعة؟!


وهل يتبع ذلك، أن المبدع يشغل حواسه الأخرى، ويرتقي عن بقية البشر من خلال إنتاجه المؤثر والناجح؟!

هل يفتح أقفال خلايا عقله النائمة، ويوقظ كل قدرات وإمكانيات مدهشة تنتظر لحظة «القدح» لتضيء له سبل الإبداع؟!

ثم، هل هذا يجعل المبدع متفوقاً عن البشر، حسياً وعقلياً. وإن صح هذا، ماذا إذاً يصبح وكيف حينئذ نسميه ونصنفه؟!

خطرت لي هذه التساؤلات وأنا أشاهد لوحة لي. قضيت جزءاً كبيراً من الليل أشتغل عليها... ثم استيقظت لأراها في ضوء النهار... وإذا بها تحدق بي كأنها تعرفني أكثر مني. كأنها تخبرني أنها أنا. لكن لست هذه التي تنظر إليها وتتفحصها الآن. بل «أنا» الأخرى الأصدق والأجمل والأروع... الخفية والذكية والشقية. التي كانت منهمكة في صنعها الليلة السابقة.

إذاً هل يعاني المبدع تعدد الأنا أو اضطراب الهوية. هل الفن أو الأدب... يجعله يقشر عنه ذاته الواقعية الروتينية الآدمية لتخرج الأنا الأخرى الميتافيزيقية النورانية الخلاقة..

لكنني أحسدها تلك التي في أوراقي وصفحات كتبي ولوحاتي. فهي أكثر جرأة مني. صادقة منطلقة متحررة من كل قيد و ذنب وتشويه وتعليق وتسويق... نقية ناصعة كأنها كل مرة تخلق للتو. لم تكذب أو تخون أو تسرق أو تحزن أو تشاهد نفسها تتكسر إلى ألف قطعة وقطعة... لم تتعرض للغدر والاستغلال والسخرية والتنمر.

أحسدها «أناي» التي في الصور والورق. تشبهني لكنها ليست أنا... وكم تمنيت لو كانت أنا.