نساء بيروت... فائضٌ من «القوة الناعمة» في صناعة الأمل

شاركن في كل الأحداث التي عاشتْها بيروت أخيراً وكنّ في وسط الشدائد والملمات... تحمّلن وزر كل المآسي التي أصابت «زهرة الشرق»، وعانين آلاماً وأحزاناً فاقت كل تَصوّر.

معاناتهن قاسية وشديدة الاختلاف عن تلك الصورة النمَطية التي رسمها البعض للمرأة اللبنانية. خلعن عنهن ثوب الرقة والدلال وتدثرن برداء القوة والصلابة والعزم ليواجهن أصعب ما يمكن لإنسان مواجهته من ضيق ويأس وفقر وألم وحزن.

مَحَوْنَ من بالهنّ صورة الماضي الجميل ووضعن نصب عيونهنّ صورةَ حاضرٍ قاتم لا بد من السعي إلى تلوينه بالأمل والمحبة. إنهن نساء بيروت... نساء القوة والصمود.

في قلب الأحداث كنّ، على اختلاف مواقعهن... بدءاً من الثورة اللبنانية التي انفجرتْ في أكتوبر من العام الماضي، وصولاً الى انفجار بيروت الهيروشيمي بآلامه وأحزانه ومآسيه، وما بينهما من وباءٍ اجتاح بمخاوفه وتداعياته البيوتات والعائلات، وأزمة اقتصادية أكلت الأخضر واليابس ولم تُبْقِ في معجن البيوت خميرة.

لم تقف نساء بيروت مكتوفات، متفرجات، عاجزات، خائفات، بل كنّ القلب النابض المحرّك الذي يضخّ الحياة في شرايين الوطن ويقف سداً منيعاً في وجه اليأس والإحباط وفقدان الأمل. وقفن وقفة رجال، لا بل وقفة نساء تفوّقن على الرجل في محطات كثيرة ليحفرن بأيديهنّ وسط صخر الواقع اللبناني الصلب صورةَ مستقبلٍ يردنه نقياً ساطعاً مليئا بالعزم والأمل لا مكان فيه لفساد الصفقات وعنف المقاربات.... مَن هن هؤلاء النساء البطلات وكيف عملن في مختلف المجالات لانتشال لبنان من واقعه الكارثي؟

لبنان الأنثوي يتمرد

أمهات، ربات بيوت، ناشطات، مُراسلات، نائبات، صحافيات، مؤثّرات وفنانات التقين كلهن على هدف واحد: استرداد وطنهن من قبضة الفاسدين وبَلْسَمَة جِراحه وتخفيف آلامه وتحويله الى وطن أفضل.

مع بداية الانتفاضة الشعبية في اكتوبر 2019، برز عنوانٌ واضح اختصر كل المشاركة النسائية الفاعلة هو: «الثورة أنثى». فقد كان عدد الفتيات والنساء المقهورات الثائرات والمتمرّدات اللواتي نزلن الى الشارع وافترشن الطرق بأجسادهن وشاركن في كل فاعليات الثورة كبيراً الى حدّ يفوق التصور.

على الخطوط الأمامية وقفن، دروعاً حامية لكل المتظاهرين في وجه القمع، وناديْن بأعلى صوت بشعارات الثورة والتغيير. وفي الكواليس الخلفية عملن لتأمين المأكل والمشرب للمعتصمين الثابتين في الساحات. لم يخشين الشارع وأربابه بل حرّكن الرأي العام وأثَرْنَ فيه نخوةَ التمرد على الفساد القائم.

مناضلاتٌ احترفن النضال النسوي، نزلن يطالبن بحقّهن وحق أولادهن بالجنسية اللبنانية، وبرفْع كل الظلم والإجحاف والعنف الحاصل تجاه المرأة، وناشطاتٌ سياسيات رفعْن كل القضايا السياسية والاجتماعية التي تثقل كاهل لبنان، وبرزت بينهن وجوه صارت رمزاً للحراك الشعبي مثل نعمت بدر الدين وبولا يعقوبيان وغادة عيد وسواهن.

وحين همدتْ شعلةُ الانتفاضة الشعبية في الشارع، لم تهمد هِمة نساء بيروت وفتياتها بل كنّ هنا كلما احتاج الشارع الى وجودهن، حتى في عزّ تَصاعُد حمى المواجهات بين القوى الأمنية والمتظاهرين واشتعال الملاحقات والاشتباكات وعمليات الكر والفر. لم يخشين أن يواجهن بوجوههن وعيونهن وأجسادهن الطرية القنابلَ المسيلة للدموع والرصاص المطاطي والمقذوفات الحجرية التي كان يواجَه بها المتظاهرون حتى أن بعضهن احتُجزن في المراكز الأمنية وأُصبن إصابات متفرقة.

الى جانب هؤلاء ومن أرض الميدان كانت المُراسلات الصحافيات نجمات الحراك الشعبي وكل ما يطرأ في بيروت من أحداث أمنية ومواجهات مختلفة. ينقلن من وسط الميدان وعبر الشاشات كل ما يجري، في ظل ظروف أمنية ولوجستية وإنسانية صعبة جداً.

جويس عقيقي، راشيل كرم، هدى شديد والعشرات غيرهن من المراسلات، نساء وقفْن في أتون الأحداث الأمنية والحرائق والمواجهات والانفجارات وخاطرن بحياتهن وسط نار غضب الناس وردود القوى الأمنية المبالَغة لينقلن وهن يرتدين الخوذ ويضعن الكمامات المضادة للغازات السامة معاناة الناس، فأصبحن العينَ التي تراقب والضمير الذي ينطق بوجع الناس. وكأن ما تعانيه هؤلاء المراسلات من مخاطر وصعوبات على أرض الأحداث ليس كافياً، لتأتي الشتائم والإهانات في العالم الافتراضي حيث تتحوّل حساباتهن على مواقع التواصل الاجتماعي منصات للشتم و التحقير الذي ينال من كراماتهن تبعاً لما يبدينه خلال النقل المباشر من آراء قد لا تعجب البعض. ولكن كل ذلك لا يثني هؤلاء المراسلات البطلات عن إتمام رسالتهن الإعلامية والتصدي لكل محاولات القمع او إسكات صوتهنّ النسائي الناطق بالحق.

في كل حدث أمني أينما كان على أرض لبنان نجدهنّ... من الجرود حيث الإرهاب، الى البحر حيث قوارب الموت، ومن الغابات المشتعلة الى الشوارع والبيوت المدمّرة، تجد هؤلاء النسوة حاضرات لمواكبة الحدَث في أي ساعة من الليل والنهار، لا يسألن عن رفاهية أو راحة، ينسين الطَلّة والأناقة ليكنّ عين الناس وسط العاصفة.

... الأحداث الأمنية والأزمات الاقتصادية وكل المآسي التي تعصف بالوطن الصغير لم تنسِ نساء بيروت دورهن الفاعل في الحركة النسوية التي باتت متأصلة وفاعلة وتملك رؤية واستراتيجية واضحة لدعم النساء وتمكينهن وحمايتهن من العنف.

ومن أبرز تجليات الحركة النسوية منظمة «أبعاد» الهادفة إلى حماية النساء والفتيات في كل منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا، وإعداد البرامج التدريبية لمساعدتهن على تعزيز المهارات الحياتية الأساسية للوقاية من العنف الموجه ضدهن. وكان لـ «أبعاد» دورها الفاعل خلال فترة الحجْر المنزلي احتواءً لـ «كورونا»، حيث وضعت إمكاناتها في خدمة النساء اللواتي يتعرّضن للعنف داخل منازلهن لمساعدتهن وتوعيتهن على ما يجب القيام به للوقوف في وجه التعنيف ومنع حدوثه.

وتأكيداً على دور «أبعاد» في حماية النساء حصلت السيدة غيدا عناني مديرة المنظمة على لقب «بطلة السلام» من قبل مبادرة «السلام في يوم واحد» العالمية التابعة للأمم المتحدة كإحدى النساء المُلْهِمات العاملات في الخطوط الأولى على مناهضة العنف ونشر ثقافة السلام واللاعنف في المجتمعات. وهذا إن دلّ على شيء فعلى أهمية دور المرأة في لبنان في التصدي لكافة أشكال الانتهاك والتمييز والعنف والعمل على انتزاع حقّها بالعيش بكرامة بما تبقى من مجالات للكرامة في لبنان.

ومن تجليات الحركة النسوية إنشاء موقع «شريكة ولكن» النسوي الرائد الذي يعنى بكفاح النساء على امتداد العالم العربي ونضالهن من أجل الحصول على حقوقهن، ويرصد واقع النساء الضحايا في العالم العربي ويوثّق ما يتعرّضن له من اعتداءات وقمع وتعنيف جسدي ونفسي، وينقل واقعهن اليومي الصعب ولا سيما بالنسبة للاجئات أو السجينات او الفئات الضعيفة والمهمشة منهن، كما ينقل إنجازات النساء المميزات في مجال الدفاع عن حقوق المرأة. وتشرف على هذا الموقع الناشطة والإعلامية حياة مرشاد مع عدد من الناشطات في الحركات النسوية اللبنانية. وقد بات الموقع مرجعاً موثوقاً لإلقاء الضوء على كل القضايا النسائية في العالم العربي.

وبعد انفجار مرفأ بيروت خصص موقع «شريكة ولكن» سلسلةً من المقالات تروي المعاناة الإنسانية لعدد من النساء الناجيات من «بيروتشيما» في قصصٍ مؤثرة عكست فداحة الانعكاسات النفسية والاجتماعية لهذه الكارثة على الحياة اليومية لنساء الأحياء المنكوبة. فالنساء كن أكثر من عانى جراء الانفجار، إما لتعرضهن لإصابات مباشرة أو لفقدانهن ولداً، زوجاً، أماً أو أباً، أو لخسارتهن لمنزل العمر الذي يأويهن مع العائلة والذكريات، وبين هؤلاء النساء أكثر من 4500 امرأة حامل عانين من حالة صدمة بعد الانفجار وبعضهن ولدن أطفالهن في ظروف تكاد لا تُصدَّق. وكان لزاماً على كل هؤلاء النسوة أن يواجهن قسوة الواقع ويبقين واقفات على أقدامهن بشجاعة وصبر ويثبتن مرة جديدة قدرة المرأة اللبنانية على التحمل والثبات في وجه الأعاصير بحزمٍ يُلْهِم كل الناس من حولها ويَحْفظ للعائلات كيانَها وتَماسُكها.

«وقفة نساء» بألف وقفة

وإذا كانت النساء أكثر من عانى في تلك الشدة التي أصابت بيروت، فإنهن كن أيضاً أكثر من هبّ لنجدتها ووقف الى جانب أهلها ليُبَلْسِم جراحهم ويخفف من معاناتهم.

تداعت النساء من كل أنحاء لبنان لـ «مداواة» العاصمة. تكتلن في جمعيات خيرية وإنسانية فاعلة، أو عملن بصمت من بيوتهن لإعداد ما يلزم لإطعام وكسوة ومساعدة الذين فقدوا منازلهم.

منذ اليوم الأول للإنفجار ملأت الصبايا الشوارع المنكوبة مع مكانسهن لتنظيفها من الردم وإزالة الركام من البيوت المهدمة. صبايا جامعيات، لم يحملن مكنسةً ربما في حياتهن، كنّ أول مَن هبّ للنجدة دون أن يطلب منهن أحد ذلك... أمهات وقفن في أكشاك صغيرة في الشوارع يطهون الوجبات الساخنة ويوزّعنها على الناس المنكوبين، اختصاصيات نفسيات تجنّدن للاستماع الى الناس المصدومين الخائفين وتقديم المشورة لهن، مهندساتٌ أجرين مسحاً للبيوت المهدمة ووضعن الخرائط والدراسات لكيفية إعادة بنائها، ممرضاتٌ في المستشفيات ومتطوعاتٌ في جمعيات الإغاثة لم يتوانين عن إسعاف أي مصاب أو متألم ولو على حساب صحتهن وعائلاتهن.

الوزيرة السابقة مي شدياق وضعتْ كل طاقتها المتفجّرة من جسدها المبتور لإعادة إعمار حي الجميزة الذي وُلدت ونشأت فيه. على الأرض أنشأت جمعية Ground Zero وترأست لجنة إغاثة بيروت وعملت مع عدد كبير من المتطوعات والمتطوعين على ترميم البيوت وإزالة الردميات من الشوارع ونقلها الى أمكنة آمنة بيئياً، وجالت بنفسها على العائلات المنكوبة لتشهد على احتياجاتها وتَطَوُّر الأعمال الميدانية في بيوتها. عملت أكثر من أي وزارة أو مؤسسة رسمية لجمع التبرعات والمساعدات لإتمام عمليات الترميم.

مثلها كانت النائبة المستقيلة بولا يعقوبيان على الأرض مع حملة «دفى» المعروفة التي تعمل لتأمين الملابس والأطعمة لكل المحتاجين منذ عدة سنوات. جنّدت كل طاقاتها لمساعدة الناس بعدما كانت في البرلمان الصوتَ الصارخ ضد الفساد والفاسدين والمُطالِب بحقوق الناس المهدورة. وكذلك عملت الإعلامية جيسيكا عازار منذ بدء انتشار وباء «كورونا» على مساعدة الأحياء البيروتية في الحصول على الدعم الطبي والفحوص اللازمة للوقاية من الجائحة، واستمر عملها الإنساني بعد كارثة بيروت.

كثيراتٌ من الوجوه النسائية المعروفة من فنانات وناشطات على مواقع التواصل عملن، كلٌّ من موقعها، على المشاركة في التخفيف من آلام الناس وتقديم الدعم المادي والمعنوي لهم.

الفنانة إليسا التي غالباً ما أحدثتْ جرأتُها في إبداء آرائها الجدَلَ والتي جنّدت صوتها للثورة (في أغنية «عم ثور»)، تضع عملها الفني جانباً في الملمات، وتُسارِع الى تقديم التبرعات المالية في كل مرة تقام عبر الشاشة الصغيرة حملةٌ لجمْع الأموال لهدفٍ إنساني، فتكون أوّل المبادرين حتى بات اسمها مرادفاً للعطاء والمساعدة. وكثيرات من الفنانات وضعن عملهنّ الفني في خدمة تخفيف الضيق عن الناس ودعْم بيروت الجريحة... مايا دياب، نجوى كرم، هبة طوجي وسواهن حوّلن الفن منصة لتسكين الجراح وغنّين لقضية إنسانية بعيداً عن الزواريب الفنية المعهودة.

بعض المؤثرات الشهيرات أطلقن حملاتٍ لبيع تصاميمهن وتخصيص مردوها لمساعدة العائلات المنكوبة... نسين لفترة الصورة الزاهية التي يقدّمنها للناس وأطلّين بصورةٍ أقرب الى الواقع تحمل روح التضامن والتفاعل مع آلام الناس.

هكذا أطلت نساء بيروت على العالم ليدهشنه مرة جديدة، لا بالأناقة والجمال والتميّز الذي عُرفن به، بل بصلابتهن وقوّتهن ونخْوتهن، فأثبتن أنهنّ قادرات على تغيير وجه الوطن الصغير وإعطاء أرقى وأسمى صورة عنه.