خواطر صعلوك

ذوق الوقت

صديقي محمد...

ها أنت تفكر في التوقيت والوقت... والمكان والانتقال، تفكر في المعنى قبل الحركة، وفي مصدر الفكرة قبل الخطوة... وتفكر كثيراً في الله.

لا تحب أن تضع قدمك في مساحة... قبل أن تتخيل وجودها... فتستند على الخيال لتقويم المعنى الواقعي، تعتقد أن الأرض جزء من الجنة، والجنة مدى اتساع خيال المؤمن... فتوسع خيالك على الأرض، وتكتشف أنها «الدنيا»! والتوقيت خيال الوقت.

أعلم يا صديقي أن التوقيت هو ذوق الوقت وخياله، وذوق الوقت منتشر في يومنا وحياتنا وتفاصيلنا اليومية، فتمر علينا أشياء كثيرة ربما كانت في وقتها، ولكنها ليست في توقيتها... فضلاً عما يمر بنا من أحداث ليست في وقتها ولا توقيتها مثل اتصال هاتفي في الرابعة فجراً يخبرك فيه المتصل «أخوي داقين علينا الساعة 3 العصر»؟ فترد عليه: نعم... في الواقع كانت لدينا حالة وفاة وأردنا أن نطبع بعض الأدعية... ووجدت رقمك في الإعلانات التي على الإنترنت، ولكنك لم ترد على الهاتف وقتها... لذلك أبشرك بأن المتوفى «رحمه الله» أرسل لنا برقية بعد الدفن مباشرة يقول فيها «عودوا يوم الإثنين القادم، ومعكم كتب أدعية... اطبعوها عند الشخص نفسه الفاقد للوقت والتوقيت والذوق»... وها أنت ذا تتصل... سبحان الله!... فيرد عليك: ها! هذه القصة بحد ذاتها فاقدة للتوقيت الأدبي، متى تضع الأشياء في مكانها الصحيح يا صديقي؟ وما بين الخيال والواقعي، هناك ذوق الانتقال من الفكرة إلى الخطوة، من الإستراتيجية إلى البرامج، من المعنى إلى الحركة... من الذرة إلى الحكايا، من الماء إلى الشجرة.

وأعلم يا صديقي أن ذوق الانتقال هو حُسن تناول انتقاء ما يبقى معك من مقامك السابق إلى مستقرك القادم، وفعل الانتقاء هو فعلٌ حر، يسمح لصاحبه بأن يرى كل الاحتمالات ثم ينتقي ما هو الأحسن والأجمل والألطف... وكله عند الله حُسنى.

والمساحة التي بين الانتقاء والانتقال هي مساحة حرفّ واحد في النهاية... وهذا يعني اتفاق المعنى الكلي في البدايات... وكل انتقال هو غلق لمزيد من الاحتمالات اللانهائية ومزيد من الانتقاءات الحرة، وفتح لأبواب المشيئة الإلهية اللا متناهية، ولكن في النهاية لا يمكن عادة للميت أن يعود ويفتح الكفن ليخبرنا عن أنه يرغب فعلاً في أن نطبع الأدعية عند ذاك الرجل قليل الذوق.

ربما يعود الميت بالمعجزات، ولكن في حياتنا اليومية نحن لا نسير بالمعجزات... بل بالقرارات التي نتخدها ما بين التوقيت... والانتقال.

التوقيت هو حكمة الوقت وحُسن تناول الزمن بانتقاله من المطلق واللانهائي والمجرد إلى الملموس والمجسد والمحسوس.

وبعيداً عن الفلسفة... فكل ما لم يُذكر فيه اسم الله أبتر.

@Moh1alatwan