قيم ومبادئ

أمراض المدنية!

رغم تقدم الطب والعقاقير الطبية وسرعة الإسعافات الأولية وارتفاع حجم الإنفاق الصحي العالمي، فإنَّ صحة الإنسان وحالته العقلية والاجتماعية في انحدار حادّ مُتسارع !

لقد انتشرت الطفيليات من البشر في أنحاء العالم مما يُهدد بمزيد من التلف والهلاك للإنسانية .

إنّ طغيان رتم الحياة العصرية وما فرضته من واقع التهم القيم وضيّع المبادئ وجاءتنا التكنولوجيا المُعقدة التي دخلت على الإنسانية، فزلزلت أركانها، حتى أصبحنا نجد الشعوب البدائية والقبائل التي تعيش مجاهل أفريقيا وجنوب شرق آسيا أكثر إنسانية من مدنية الإنسان العصري!


فتجد مثلاً هذه الأقليات البشرية والقبائل رغم بدائيتها فهي أكثر انسجاماً وتعاطفاً، فلا تجد العداء في قلوبهم ولا ينقسمون إلى طبقات مُتحاربة، وأحزاب يعيشون في سلام دائم في حدود البساطة مع الجد والعمل في الحقول وتقسيم العمل في اليوم والليلة ولا مجال للإسراف ولا تضييع الأوقات!

والحقيقة التي لا يمكن تجاهلها في قانون علم الاجتماع هي مراحل أعمار الدولة فهي تمر بثلاث فترات، فترة الجيل الأول وهي فترة تتميز بشظف العيش ومُكابدة الأخطار، ويظهر الشعور العام بالمسؤولية الاجتماعية والسياسية والأمنية والاقتصادية، التي تقلدوها في زمن التأسيس وبناء الدولة، ثم تأتي فترة الجيل الثاني الذي يسير على خُطى الجيل الأول من التقليد وعدم الحيدة عن الجادة حيث ما زال الشعور بالمسؤولية هو المُسيطر، وتبدأ عملية البناء وعرق الجبين وتظهر المنشآت الحضارية والعمرانية بالبزوغ والتشريعات البنيوية، ثم تأتي فترة الجيل الثالث، وهو جيل النُّخبة التي تحرص في سلوكها السياسي والأخلاقي على الطمع والشخصانية لبناء المجد الذاتي، وينتقل الشعور بالمسؤولية كرجال دولة إلى شعور استعلاء للغير، وبه يتم تخطي الثوابت والقانون لمصالحها مع ضيق الأفق والترف!

وتُطوى شيئاً فشيئاً من الذاكرة، وينسون عهد خشونة العيش والجوع وقلة ذات اليد والخوف من الخارج، ويفقدون حلاوة العز وكمال التلاحم، فيصبحون عالة على الدولة، وعقبة أمام التنمية.

فتجد أوروبا مثلاً في عصور الظلام قادها الملأ وهم القساوسة والملوك، وهم الذين يملؤون العين بجمال أجسامهم واتساع عقولهم، فاتجهت إلى الزهد في الدنيا والتبتل إلى الآخرة، وذلك لهيمنة رجال الكنيسة وفلاسفة القانون الروماني فحاربوا المفكرين وحاكموهم بقسوة بتهمة (الهرطقة) وهي التعامل مع الشيطان، واحتكروا زعامة المجتمع. والنتيجة تلاشت مملكة بيزنطة وروما!

بالتأكيد نحن اليوم في الكويت وصلنا عام 2020 ميلادي، وهي مرحلة انتقالية ما بين ماضٍ انتهى ببلوغ الذروة في التجاوزات القانونية والأخلاقية والمالية والإدارية، وبين العهد الجديد، نحتاج معها إلى إصلاح فكري ومعرفي وثقافي، رغم الصعوبات وكثرة التحديات وتزاحم الأولويات، فنحن في مرحلة ليست منفصلة عمّا قبلها وما بعدها بالضرورة.

لكن الجديد في هذا العهد بقيادة الشيخ نواف الأحمد الجابر الصباح حفظه الله ورعاه، العودة - كما يُقال - إلى الكلاسيكيات في المعرفة وأسباب النهضة لتأسيس وتعزيز قيمنا الأصيلة نحو إعادة بناء الأخلاق، فهي أهم التحديات التي يجب البدء بها قبل الحديث عن الاستثمارات الخارجية والمخزون الإستراتيجي أو الوضع المالي للدولة؟

فإذا انهار جيل الشباب أخلاقياً ما فائدة المليارات في بنوك سويسرا؟

يجب غرس قيم الأمانة والصدق والإخلاص في العمل، فهذه هي قيم النهضة الحقيقية، والعالم من حولنا يعاني من انهيار المنظومة الأخلاقية في الاجتماع والسياسة والاقتصاد، وعليه فالعودة إلى قيمنا وثوابتنا الأصلية تُعتبر رُمانة الميزان، الذي يضبط التوازن النفسي والاجتماعي في حياة الأفراد والمجتمعات.

الخلاصة

قال تعالى: (ويا قوم أوفوا المكيال والميزان بالقسط ولا تبخسوا الناس أشياءهم ولا تعثوا في الأرض مفسدين بقيّت الله خير لكم إن كنتم مؤمنين وما أنا عليكم بحفيظ).