رواق

الرثاء ممنوع

في مقابلة تلفزيونية لسمو ولي العهد الشيخ مشعل الأحمد إبّان رئاسته لديوانية شعراء النبط - منتصف الثمانينات - لفت نظري إجابته عن سؤال حول قصائد الديوانية عندما قال: منعت القصائد التي ترثي الذين توفوا... منعت أي قصيدة تحمل النعرة الطائفية لأي قبيلة كانت... منعت قصائد الغزل التي ترسل إلى شخص ما عن طريق الإعلام!

ثالث ثلاثية ممنوعات ولي العهد في الشعر تذكرنا (رغم فارق التشبيه)، في مقولة كوكب الشرق أم كلثوم لبليغ حمدي، عندما كان يعني وردة «انت عاملني كوبري للبنت اللي بتحبها» ، ومشعل الأحمد بممنوعاته أراد أن يهد جسور النفاق على متسلقيها مدحاً وهجاء ورثاء، وقد ذكرتُ في مقالات عدة سابقة أن معظم المقالات حول المتوفين تسرد محاسن كاتبيها لا محاسن موتاهم، وكم من مدح يُقصد به هجاء وهجاء يُقصد به مدحاً؟

وهكذا أراد سموه قطع الطرق الملتوية، نحو طريق مستقيم ينبذ الطائفية، والقبلية، لأي قبيلة كانت! كلام واضح غير مرتبط بتاريخ انتهاء صلاحية، لأنه منهج حياة ونهج رجال الدولة عبر التاريخ، فكما قال سموه «هناك قصائد بطولات سطّرها آباؤنا وأجدادنا نتفاخر فيها ونعلّمها لأولادنا جيلاً من بعد جيل».


علّمنا التاريخ أن البقاء للأكثر عطاء وأن الأفعال تطغى على الأقوال، وتبقى ولا تُنسى في الغياب كما في الحضور، أليس «غياب المحب حضور الغياب» و«ما نشدنا الشمس عن حزن الغياب علمتنا الشمس نرضى بالمغيب» وهما من أروع بيوت الرثاء في الشعر الحديث والمعاصر دون أن يلامسا قيود المنع عند رئيس ديوانية شعراء النبط السابق، لأنها تُرثي الذين توفوا!

عندما ترحل شخصية ذات عطاء عظيم فإن أصدق تأبين لها المواعظ والعِبر التي نستنبطها من مسيرتها لا قصائد النبط ومطولات النكد والبكائيات التي تدور في حلقة مغلقة دون أن تتقدّم إلى الأمام، وتقدم الكويت بخطى واثقة نحو عهد جديد في أقل من أسبوع ما هو إلّا تكريس لعهد الفقيد الحاسم لتاريخ الكويت والمنطقة.

فهل يُمكن اختصار المراثي المطولة في بيتين مختصرين لصلاح الساير، يدشنان حقبة المختصر المفيد في العهد الجديد، حين قال:

«نوافنا مشعل يضوي في الدروب المظلمة

ومشعلنا نواف مرتفع فوق الجبال النايفة»

بيتان يختصران حماة البيت الكويتي.