pdf
رئيس التحرير وليد جاسم الجاسم

همسات

فارس العروبة... ترجّل

بدء الحديث عن قامة شامخة مثل سمو الأمير الراحل الشيخ صباح الأحمد - رحمه الله - يحتاج إلى تذكرة عبور وتحديد المعابر للتعرّف على مجموع رجال في رجل، والتدقيق في مسيرة هذه الهالة الحكيمة التي تتقد بالمعرفة الشاملة والموسوعة الحياتية التي جمعها الراحل خلال رحلته الاجتماعية والسياسية والثقافية مع بدايات تطور ونمو الكويت.

استفاق سموه - رحمه الله - وسط أسرة تحمّلت أعباء المسؤوليات الوطنية فانبرى يبحث منذ الطفولة عن دوره لخدمة أبناء جلدته وكانت أحلامه تكبر مع عمره ليرى الكويت عامرة في حضارتها شامخة في تكوينها ثابتة بأبنائها راسخة في وطنيتها صامدة بجيشها وأجهزتها، فحلم تكامل الدولة تحقق ولكنّه كان يطمح للمزيد فترك الوصية لتكتمل لاحقاً فهذه بعض إشراقات الراحل أمير التطور والتنمية.

خطابات سموه - رحمه الله - كانت تتسم بخصوصية لم أعهدها في غيره لأنّها بمثابة خارطة طريق لمن يفهم ما بين ثنايا السطور وكم من مرّة توجه للمعنيين لتحمل المسؤولية عن جدارة، وكم من مرة كان يتوقف عند التنبه للمخاطر المقبلة، وكم نادى أبناءه في السلطتين لتجاوز الخلافات الضيقة وأخذ الحذر من الرياح العاتية، وهذا لا يتم إلا بالتكاتف وتضافر الجهود وتشابك الأيدي؛ لتصبح أقوى في وجه أي متغيّرات تطول المنطقة، فهذا المفهوم الذي تحلى به سموه يثبت كم كان حكيماً وعارفاً في ظواهر وبواطن الأمور ونشكر الله أننا استقينا من معينه بعض المعارف ونهلنا من وعيه بعض احتياجاتنا.

التطرق إلى فلسفة سمو الأمير الراحل يستدعي وعياً مبرمجاً لفهم أبعاد الرؤى التي كان ينظر من خلالها إلى الأفق البعيد، فقد لا نجد وسيلة للحاق بفكره النير ولكن أقل الممكن فهم نظريته الثاقبة للواقع الدقيق الذي نعيشه، فقد كان يجمع بين الفلسفتين السياسية والإنسانية ويرسم من خلالهما خطوات المراحل ونقاط البحث وعليه كان يجاهد في سبيل الوحدتين الخليجية والعربية واستنهاض الأمم من المحن المتعدّدة فكم كان سموه بارعاً في استخدام فلسفته وحكمته وبنيويته الفكرية وكم سنتوق إلى رؤية ابتسامته الدائمة التي كانت مصدر تفاؤل.

الإنسانية حزينة على فقد أميرها وشيخها وداعم مسيرتها الشيخ الراحل صباح الأحمد وهي ستبقى وفية لمسيرته الحافلة بالعمل الإنساني تجاه الشعوب التي تكن له كل محبة واحترام، كما ستبقى نفس الأمم تروي قصة الراحل الغالي الديبلوماسية الذي أرسى سياسة بلاده الخارجية المتوازنة على مدى ستة عقود كان فيها خير رجل لخير بلد باعتراف كل الدول التي تكن للكويت التقدير.

الأمير الراحل كان قائداً استثنائياً وسياسياً حكيماً وأميراً متواضعاً ووالداً للجميع. حمل القاباً عديدة طوال مسيرة حكمه للكويت أبرزها «أمير الإنسانية» ورجل السلام «وزعيم المصالحة» على المستويين العربي والإسلامي، كان ظاهرة ليس من السهل أن تتكرّر، واستطاع بحكمته تجاوز مطبات الألغام السياسية واستطاع بديبلوماسيته المتزنة العاقلة أن ينهض بأوضاع الأمة من الشرذمة والتفتت إلى وحدة الصف العربي، فقد كان حامي الشموخ العربي والإسلامي. خبر وفاة سموه كان له وقع الصاعقة آلمنا في الصميم وأدمى قلوبنا كما بقية أحبابه في دول الخليج والعرب التي تحتاج إلى مشورته والتدخّل لرأب الصدع لأنّه كان عامل توازن وصوت حكمة اجتمعا في شخص الأمير الراحل.

لقد كرّس حياته لخدمة وطنه والإنسانية وسخّر عمره يجوب بقاع الأرض يصلح بين الدول وينشر السلام وبعد وفاته عبر جثمانه نصف الكرة الأرضية قبل أن يتوارى في الثرى كما لو أنّه يودع البشرية وداعه الأخير. إنّه فقيد الأمتين العربية والإسلامية، فليحفظ الله الكويت والخليج والأمة العربية والإسلامية وليبقى الوطن جميلاً كما أراده الراحل.

suhaila.g.h@hotmail.com

انستغرام: @suhaila.g.h

تويتر: @suhailagh1