pdf
رئيس التحرير وليد جاسم الجاسم

ألوان

قائد العمل الإنساني... لن ننساك

لم يحصل الشيخ صباح الأحمد الصباح طيب الله ثراه على لقب قائد العمل الإنساني في عام 2014م إلا بعد سلسلة من الإنجازات الإنسانية من خلال تنظيم فعاليات إنسانية عدة، منها منتدى الكويت الدولي للعمل الإنساني وتقديم يد العون إلى كل دولة بحاجة إلى دعم مادي ومعنوي، كما أكد ذلك الأمين العام السابق لهيئة الأمم المتحدة السيد بان كي مون في كلمة أشار فيها إلى أن قلب تلك الدولة كان أكبر من الأزمات والفقر والأوبئة كما أنه تم تكريمه من قبل العديد من الدول الخليجية والعربية والعالمية.

وقبل ذلك بكثير فإن الشيخ صباح الأحمد الصباح - رحمه الله - نذر عمره لخدمة بلده والأمتين العربية والإسلامية إضافة إلى خدمة الإنسانية في المنتديات الدولية، ولا يمكن أن يُنسى الدور الذي قام به في حل الكثير من المشاكل التي حدثت بين الدول الخليجية والعربية والإسلامية، وظل إيجاد الحلول عبر الديبلوماسية ديدنه طوال فترة عمله وزيراً للخارجية ورئيس وزراء وأمير دولة الكويت، وكان آخرها التوسط لعدم تفاقم الخلاف الخليجي.

وكان الشيخ صباح الأحمد رحمه الله مهندس السياسة الكويتية، فمنح خلال عمله وزيراً للخارجية وأميراً مكانة مرموقة لدولة الكويت الصغيرة في مساحتها والعملاقة في الأثر الذي تركته في الميادين الدولية.


ولم تبخل الكويت في منح المساعدات لأي دولة شقيقة أو صديقة في تقديم المنح لبناء المؤسسات والمشاريع التنموية، أو في تقديم المساعدات وقت الكوارث من دون أن ينتظر مقابل ومن دون أن يتم الاستفادة من ذلك إعلامياً، إلا أن التاريخ شهد للكويت هذا الدور الإنساني الفاعل.

وكان رحمه الله قد شغل منصباً في وزارة الأنباء والإرشاد، وهو منصب يضاهي وزير الإعلام، فكان وراء وضع اللبنات الرئيسة لانطلاق الكويت إعلامياً وثقافياً وفنياً، وكان قد قدم للشعب العربي هدية ثقافية عبارة عن مجلة العربي في عام 1985م، حيث كان الدكتور أحمد زكي أول رئيس تحرير للمجلة التي قدمت الكثير للقارئ العربي، كما وجد في عالمها المبدعون العرب فرصة ذهبية للوصول إلى القارئ العربي بسهولة، فكتب بها عباقرة الأدب العربي أمثال طه حسين وعباس العقاد ونجيب محفوظ ويوسف إدريس ونزار قباني وفاروق شوشة، وتلك الأسماء للذكر وليس للحصر، وقد أكد لي أكثر من مفكر عربي أنها مجلة راقية في شلكها وفي مضمونها، كما أن من يقرؤها لا يشعر أنها طبعت في دولة الكويت لأن مواضيعها كانت تعنى بالثقافة العربية من دون توجه معين، الأمر الذي جعلها تدخل البيوت العربية من دون «فيزا».

وكان يرحمه الله داعماً للحركة الثقافية في الكويت بشكل عام، فكم رأيناه يحضر الأوبريتات الوطنية التي قدمها الفنان شادي الخليج على مدى نصف القرن من الزمن، مع الملحن غنام الديكان والمطربة سناء الخراز ومع مشاركة لفرقة تلفزيون الكويت وبعض الفرق الفنية الأخرى، كما أنه كان يدعم الفنانين التشكيليين في أكثر من مناسبة ولم يتوقف الأمر عند معطيات الثقافة فقط بل امتد إلى دعم الكويت في المجال الرياضي.

ولم يأتِ ذلك إلا لأنه تحمل المسؤولية في سن صغيرة، كونه ينتمي إلى الأسرة الحاكمة الأصيلة، وبالتالي اكتسب خبرة فن الإدارة كما أنه عاصر تطور الكويت قبل النفط وبعده، وبالتالي فقد شهد مراحل تطور المجتمع الكويتي في شتى المجالات بدءاً بالتعليم مروراً بالصحة وانتهاء ببقية وزارات الدولة ومؤسسات المجتمع المدني.

وطوال حياته وهو ينظر إلى أبناء الشعب الكويتي بأنهم كأسنان المشط الواحد، فلا فرق بينهم مهما كانت انتماءاتهم الطائفية والأيديولوجية، ولا داعي لاستعراض تلك المناقب فهي كثيرة ويطول الحديث عنها، لكنها محفورة في ذاكرة المجتمع الكويتي.

والأهم من ذلك كله كان قائداً قادراً على التعامل مع مختلف الأزمات السياسية الداخلية والخارجية، بفضل الحنكة السياسية التي يمتلكها كما أنه يتمتع بحضور مميز وبعلاقات عميقة مع معظم السياسيين على مستوى العالم، إضافة إلى علاقته الوطيدة مع حكام دول مجلس التعاون الخليجي ورؤساء الدول العربية والإسلامية، الأمر الذي أتاح له القدرة على التأثير في الكثير من القضايا بما يخدم المصلحة العامة.

ولم ننسَ موقفه الداعم للقضية الفلسطينية وللشعب الفلسطيني على مدى عقود من الزمن، هو عمر النكبة الفلسطينية فقد نشأت منظمة التحرير الفلسطينية في الكويت، وقدمت الكويت للشباب الفلسطيني البعثات للدراسة في الخارج، كما أنه وقف ضد التطبيع مع الكيان الصهيوني، رغم الضغوط الكبيرة التي تعرضت لها الكويت، ولم يأتِ هذا الموقف إلا إيماناً منه بالقضية الفلسطينية وأنها قضية الشعب الفلسطيني العادلة.

رحل قائد العمل الإنساني لكنه لن يُنسى من قِبل الشعب الكويتي بقيادة أمير البلاد الشيخ نواف الأحمد الجابر الصباح حفظه الله ورعاه، ولن ينساه الشعب الخليجي، وكذلك الشعب العربي والشعوب الإسلامية وبقية دول العالم، لأنه كان صاحب بصمة مميزة منحت الكويت بعداً كبيراً.

الأكثر قراءة
يومي
اسبوعي