رواق

نصف المقال الآخر

أكرّر اعترافي: إنني لا أحب كلام الرثاء... فهو يشبه كتابة رسالة إلى شخص لن يقرأها... لماذا لا نعبر عن مشاعرنا مباشرة لمن نريد في حياتنا؟ وإذا كنا نحبهم فعلاً فلماذا لم نقل لمن نحبهم إننا نحبهم وهم على قيد الحياة والحب؟

***

من أسوأ ما يمكن قراءته في الرثاء: غلبة الراثي على المرثي في الرثاء، فبدلاً أن يتحدث عن مناقب الفقيد يتكلّم عن نفسه: مواقفه معه، مشاعره وقد يتطور فيذر محاسنه بدلاً من محاسن الموتى الذين يرثيهم!


***

عندما ترحل قامة بحجم صباح الأحمد فإن صفحة من تاريخ المنطقة تكتب، لا تطوى، وأمام كتابة التاريخ يتراجع الرثاء، عزاؤنا الوحيد في رحيله أثره وتأثيره وإنجازاته وبقاؤه خالداً في أفكارنا لا في ذكرياتنا، وبقدر الألم يكون الوفاء لا البكاء!

***

في العام 1999 كتبت للمرة الأولى سيرة حياة الراحل الدكتور أحمد الربعي يومها جاء مَن يسألني: متى ستكتبين سيرة حياة سمو الأمير صباح الأحمد؟ فكنت كمن يوجه السؤال لنفسه: هل سأكتبها فعلاً؟

***

يومها لم أكن أعرف صباح الأحمد إلا كما عرفه غيري، لم ألتقِ به إلا مرة واحدة فقط، على بُعد أمتار، في مستشفى العدان، حين دخل مذعوراً، بعد حادث محاولة اغتيال النائب السابق عبدالله النيباري.

***

مرّت 15 عاماً مثل مرور 15 دقيقة، عرفت فيها صباح الأحمد، ثم وجدت نفسي أكتب في سبتمبر 2014 عن ثلاثة أبعاد يمثلها خبر تكريم الأمم المتحدة لسمو الأمير الشيخ صباح الأحمد بلقب أمير الإنسانية.

ثلاثية المكان والزمان والإنسان: نيويورك وسبتمبر وصباح الأحمد، وحيث يشتبك الثلاثة مجتمعين تشتبك الحيرة، يومها خرجت من معركة الكتابة بنصف مقال!

***

بعد 4 سنوات أردت إصدار كتابي الثاني الذي تأخر 4 سنوات، كان صراع الكتابة يتصارع مع صراع الكتابة عن صباح الأحمد، السيرة والمسيرة بين تفاصيل أحداث كتاب يروي تفاصيل رحلاتي الصحافية إلى نيويورك.

***

ورغم كل ما كتبته أشعر أني لم أكتب شيئاً، لأن صباح الأحمد أسرع مني كتابة، هو يكتب تاريخ الكويت وأنا أحاول أن أكتب تاريخه وبين الكتابتين صراع غير متكافئ، حتى رحل، قبل أن تكتمل الكتابة، هو كتب الآخير وأنا ما زلت لم أكمل كتابة حتى نصف مقال عنه!