الرأي اليوم

الكويتي... نواف الأول

سمو الأمير الشيخ نواف الأحمد
سمو الأمير الشيخ نواف الأحمد
لن نستفيض في الكلام عن تاريخ سمو الأمير الشيخ نواف الأحمد وتدرّجه في الشأن العام وهيكل السلطة، فهو الغني عن التعريف يعشق اللقب الأحب إلى نفسه... «الكويتي».

رسم سموه منذ بداية عمله إلى جانب إخوانه صورة معيّنة للكويت، وكان يكشف في كل إطلالة من إطلالاته القليلة نسبياً مشهداً من مشاهدها كما يراها. لم يندمج في العمل العام في إطاره السياسي بل في إطاره الوطني ولذلك بقي اسمه بعيداً عن كل السجالات المعهودة، وبقيت قامته ملاذاً للحلول وبوصلة للتهدئة، وبقي حضوره رمزاً للنظافة والهدوء والطيبة.

كويت التي رسمها ليست «الجمهورية الفاضلة» بالطبع فهذه لا مكان لها على أرض الواقع، لكنها «كويت الحقيقة» بالنسبة له. والحقيقة في مفهومه أن الوحدة الوطنية وتلاقي أهل الكويت والتفافهم حول فكرتي الدولة والتنمية هي العوامل التي حولت هذا المجتمع الصغير المترابط المتآلف مع حكامه إلى دولة كبيرة بإمكاناتها وعطاءاتها ورسالتها.


وبقدر ما يتسع صدر صاحب السمو للرأي والرأي الآخر والاختلافات في الرؤى وتقييم الأمور بقدر عدم تقبّله فكرة الانقسامات مهما كانت مبرّراتها. التّعدّدية الفكريّة والسياسية مصدر غنى في مفهومه أما الإساءة إلى الهياكل والأساسيات الوطنية فأمر آخر لا يمكنه القبول به. هو رب البيت ويعتبر أن كل فرد في هذا البيت ملزم بقيم معينة ورثها عن الآباء والأجداد، وكل كويتي مهما تنوعت انتماءاته المذهبيّة والمناطقيّة والقبليّة هو ابن له.

بهذه الأبوّة الجياشة يتعامل سموه مع الكبير والصغير، بل كان الإطار «العائلي» مفتاحه لحل الكثير من مشاكل من يقصده، إذ يرفض الإنصات إلى تفاصيل خارجة على القيم ويلزم محدّثه بالعودة إلى المبادئ الأسرية مُغلّباً حسن النيات على التفسير السلبي.

هذا النقاء هو ما شكّل إطار الصورة للكويت التي يعشقها وبنى بموجبه مختلف المواقف والقرارات. الوحدة الوطنية خط أحمر. القانون والدستور والديموقراطية والحريات خط أحمر. رفاهية الكويتيّين وحقّهم في حياة حرّة كريمة ومستقبل واعد خط أحمر. الأمن والاستقرار خط أحمر. وهو يدرك أن هذه المقومات لا بُدّ منها لتحويل الكويت إلى مركز مالي في المنطقة، ولا بُدّ من ثباتها ورسوخها كي يتفرغ الجميع لتطوير الإدارة وتطهيرها من أجل قيادة مرحلة تنموية خالية من القيود وعثرات الطريق.

وسمو الشيخ نواف في قلب الشأن العام منذ اللحظة الأولى التي تسلم فيها منصبه الأول. يختزل في شخصه تجربة المغفور لهم الأمراء الشيخ جابر الأحمد وسعد العبد الله وصباح الأحمد، ويضيف إليها تمرّسه في صيانة الأمن والاستقرار عبر المناصب التي تولاها في وزارتي الداخلية والدفاع أو الحرس الوطني... وهو نتاج كل هذه الخبرة على مدى عقود.

يتذكّر من يلتقيه الانطباع الأبوي الذي يخرج به، عميق في الطرح، يقارب كل مسألة بكافة تفاصيلها وجوانبها إنما من موقع الناصح والأخ الأكبر، هذا هو أسلوبه منذ عقود، وحينما يصل الأمر إلى القرار لا يتردّد لحظة في اتخاذه استناداً إلى يقينه واطمئنانه بأن العدل أساس الملك وأن الإنصاف جوهر الحلول. قلب لا يعرف إلا النبض بالمحبة، وعقل لا اتّجاه آخر لديه غير اتجاه الكويت... الدولة والمجتمع والمستقبل والأرض والعرض.

ولذلك تلقّى بعض «المصطادين» في التحوّلات السياسية رسالة قوية مفادها أن الحلم شيء والحزم شيء آخر، وأن الرهان على استغلال سعة الصدر شيء والالتزام بالثوابت والمبادئ والقيم شيء آخر، وأن رفع سقف التوقّعات والترويج لتجاوز القانون شيء وأن حراسة الدستور والقانون شيء آخر... والرسالة الكبرى أن صاحب السمو الشيخ نواف الأحمد، وهو الأكثر محبة للأمير الراحل وتأثرا به وكان عضيده وشريكه في القرار والمسار، سيعمل وفق ضميره وقناعاته المنبثقة من حبه للديرة وأهلها لا وفق إيماءات أو إيحاءات.

لا يأتي ذكر سموه على لسان إلا وتلحقه الإشادة بمناقبه وبساطته وكرهه للمبالغة في المظاهر. منذ كان طالباً في المدرسة وعندما تولى منصب محافظ حولي مدة 17 عاماً متواصلة كان بين الناس ومعهم، وصولاً إلى وزارة الداخلية التي أمضى فيها عشر سنوات متلاحقة خبر فيها الكثير وردّ عن الكويت ومجتمعها الكثير. وكذلك الأمر في وزارتي الدفاع والشؤون، ثم نائباً لرئيس الحرس الوطني فنائباً أول لرئيس الوزراء وزيراً للداخلية... وولياً للعهد. لم يغيّره منصب، لم تبدّله السلطة بل شرّف المنصب وشرّف السلطة.

ما من فرح إلا وتراه بين الجموع، وما من عزاء إلا وهو واقف يشارك في تلقيه لا في التعزية، وما من ديوان إلا وكان يعتبر نفسه من أهله، وما من حدث داخلي أو خارجي إلا وكان في قلب همومه ومحور حركته. يدخل المسجد وحيداً بلا حراسة إلا من رعاية الله. يقود سيارته وحده بعد أن يصافح ويتحدّث مع جميع من يسأله السلام. لا يضيق صدره برأي ولا بملاحظة بل على العكس، يبادر هو إلى توضيح مسألة وإعطاء الرأي فيها وشرح مسبّباتها، وربما يأتي الوقت الذي يسمح بنشر الكثير من الأمور الخاصة التي تكشف المزيد من أصالة معدنه إنما... المجالس بالأمانات.

ولأنه نواف الأحمد، لأنه الابن البار والأب الحنون، لأن أحب الألقاب إليه هو «الكويتي» عاشق الكويت كما رسمها في عقله ووجدانه... أطلق اسم يمامة على بيته، تيمّناً باسم المغفور لها والدته الراحلة، ليثبت ساكن دار يمامة مرة جديدة أن البِرّ ليس واجباً فحسب بل هو مذهب المتّقين المؤمنين.

حفظك الله يا طويل العمر، حفظك الله أيُّها القويُّ الأمين.