pdf
رئيس التحرير وليد جاسم الجاسم

رؤية ورأي

راح أبونا...

المعزّي بوفاة المغفور له - بإذن الله - أمير الإنسانية الشيخ صباح الأحمد الصباح، يحتار في تحديد أهل العزاء، وفي من يعزّي. هل يكتفي بمخاطبة أسرته وعائلته، أم يتوجه إلى الكويتيين كافة وأشقائهم الخليجيين، أم إلى العرب والمسلمين، أم إلى البشرية جمعاء؟

فألم فراقه يعتصر قلوبنا نحن الكويتيين ومعاً الخليجيين، ومشاعر الحزن على فقدانه تعم الشعوب العربية والإسلامية، بل شعوب العالم. فهذا الأمين العام للأمم المتحدة يؤبّن الأمير الراحل بوصفه رمزاً استثنائياً للحكمة، رسول سلام وصانع جسور بين الفرقاء والخصوم. ثم يستذكر مبادرات سموه وقيادته لعدد من أبرز المشاريع الإنسانية عبر العالم، فضلاً عن دوره وموقعه ضمن الصفوف الأولى في العديد من المبادرات الدولية الساعية لحشد تضامن المجتمع الدولي مع الشعوب المنكوبة من جرّاء الحروب والصراعات المسلحة والكوارث الطبيعية. تلك الجهود التي نتج عنها إنقاذ حياة الملايين من الناس وتحسين ظروف الكثير من المجتمعات الفقيرة والضعيفة. جعلها الله في ميزان أعماله.

وأما حكمته الديبلوماسية وحنكته السياسية ونهجه المعتدل ودوره في تعزيز السلام على مستويات عدة، فشواهدها متعددة، ولكن أكثرها وضوحاً ومصداقيةً هو النعي الذي أصدره الحوثيون بمناسبة وفاة سموّه. حيث صرّح الناطق الرسمي باسمهم، السيد محمد عبدالسلام، مغرداً «في يوم رحيل أمير الكويت لا ننسى موقفه الداعم لمشاورات السلام، وأنه كان في كل لقاء معه يفصح عن حبه لليمن». كما أكد عبدالسلام أن الأمير الراحل كان حريصاً على إطفاء نار الحرب في اليمن، وكان محل احترام وتقدير الجميع.


وبالنسبة لبصماته ومواقفه الداعمة لمساعي تعزيز الوسطية وحماية النسيج المجتمعي وتقوية اللحمة الوطنية، فهي كثيرة وكانت مشهودة، ولكن أبرز مواقفه هو حضوره صائماً، في ظهيرة يوم جمعة بين مصلين ثيابهم ملطخة بدماء طاهرة، ومسيره مترجّلاً نجو جامع الإمام الصادق - عليه السلام - عبر ساحة مكشوفة محاطة بمبانٍ شاهقة، وذلك بعد دقائق معدودة من تفجير إرهابي - بحزام ناسف - استهدف المصلّين الصائمين السّاجدين في الجامع، أسقط 26 شهيداً و227 جريحاً. وأما بصماته، فكانت أكثرها وضوحاً بصمة ونبرة صوته، وهو يرد على تنبيه وزير الداخلية له بأن موقع التفجير غير آمن، قائلاً «هذولا عيالي». تلك الخطوات الشجاعة غير الآمنة وهاتان الكلمتان التلقائيتان المعبرتان من سموه جددت تعاضد الكويتيين ووحدتهم حول شرعيتهم، وأبعدت عنهم شبح الانزلاق إلى هاوية فتنة طائفية، سعى لإشعالها الإرهابي الذي كان يستهدف الأمن والسلم الأهلي في الكويت عبر استهدفه أجساد المصلين الصائمين. لذلك ستبقى تلك الخطوات والكلمتان خالدة في ذاكرتنا نحن «عياله» الكويتيين.

طيب الله ثراك «يا أبونا صباح»، حكيم العرب أمير الإنسانية. رحلت بجسدك ولكن ذكراك ومآثرك ستبقى خالدة. وعزاؤنا في رحيلك عنا، أن مسيرتك لانتشال الوطن - من مستنقع الدولة الدينية نحو الدولة المدنية - مستمرة تحت راية مؤتمنك حضرة صاحب السمو الأمير الشيخ نوّاف الأحمد الصباح. رحمك الله وأسكنك الجنة، وألهمنا جميعاً الصبر والسلوان... «إنا لله وإنا إليه راجعون».

abdnakhi@yahoo.com