خواطر صعلوك

صناعة التطوّع... ما بين الواقع والتوقع!

أسعى اليوم إلى تناول التطوع من مقاربة «القيمة» في مجالاته الثلاثة، في علم الجمال وعلم الأخلاق وعلم الاقتصاد.

هناك تعريفات متعددة للتطوع أكتفي بعرض واحدة منها توضيحاً للمفهوم، ويمكن تعريفه على أنه تقديم الوقت والجهد من أجل حل مشكلة أو زيادة إنتاجية أو تحقيق إمكانية للمجتمع أو لفرد خصوصاً، ويقوم به الفرد المُتطوع طواعية من دون إجبار ومن دون «توقع» مقابل مادي.

يتميز التطوّع كصناعة جمالية وثقاقية بأنه متحرر من إضفاء القيمة الجمالية بناء على الطبقة الاجتماعية المسيطرة، أو بناء على إضفاء قيمة جمالية وهمية لثقافات غالبة، فقيمة المُتطوع الغني هي ذاتها قيمة المتطوع الفقير، وقيمة المتطوع النخبوي والأيدلوجي هي ذاتها قيمة المُتطوع ابن المراحل العمرية من 8 إلى 14 عاماً.

جمالياً يتساوى الطبيب الجراح الذي يُمارس التطوّع الاحترافي مع الشاب الذي يمارس التطوّع للمرة الأولى، ليكتشف ذاته وهواياته، ربما يختلفون في تحقيق القيمة الاقتصادية للدولة أو المجتمع، ولكن جمالياً فهناك متعة مستمدة بمقدار الوعي والإدراك والإحساس.

يعتقد إميل دوركايم في كتابه عن «الظواهر الأخلاقية»، أن سلامة المجتمع واستقراره يتوقفان على دمج القيم التي يُجمع عليها المجتمع داخل ذواتهم كأفراد، ويتحقق من خلالها التنشئة الاجتماعية.

إن التطوّع كصناعة أخلاقية وممارسة للتنشئة الاجتماعية، يمكن أن يقلل كثيراً من إنشاء السجون حتى لو كانت خمس نجوم، والعيادات النفسية حتى لو كانت على يد محترفين، ومراكز الإيواء وضحايا العنف المتبادل، والإدمان والعوالم السرية لممارسات و ثقافات دخيلة، والمؤسسات الإصلاحية والعقابية.

لا يتعلّق الموضوع هنا بملء أوقات الفراغ للأطفال والشباب والمتقاعدين، بقدر ما يتعلق بدمج القيم الكبرى في المجتمع المزروعة عبر التاريخ، والباحثة عن متنفس تنفيذي متفق عليه ومفيد للجميع، بما يمثل الهوية الجمعية.

حسب تقرير الأمم المتحدة فإن في دول أوروبا هناك 140 مليون متطوّع يوفرون على دولهم ما قيمته 227 مليار، أما في الولايات المتحدة الأميركية فإن هناك 62 مليون متطوّع يوفرون على الحكومة الأميركية 173 مليار دولار، وتوفر بريطانيا 50 مليار بسبب وجود 22 مليون متطوع منتشرين في كل مكان، أما أستراليا فلديها 6 ملايين متطوع يوفرون على الدولة 713 مليوناً.

هذا من ناحية التوفير، أما من ناحية صناعة الوظائف فإن هولندا وفّرت أكثر من 45 ألف وظيفة نتيجة التطوّع، وكذلك كندا، أما الولايات المتحدة الأميركية فقد صنعت 9 ملايين وظيفة عبر التطوّع.

وكما نلاحظ هنا فإن التطوّع صناعة في حد ذاته صناعة معرفية وجمالية وأخلاقية واقتصادية... وكل ما لم يُذكر فيه اسم الله أبتر.

@Moh1alatwan