تجلّت في أكثر من موقف وتوجيه واتضحت بالكثير من خطاباته

صباح الأحمد... رؤية اقتصادية ثاقبة

الراحل الشيخ صباح الأحمد مفتتحاً وسمو الأمير الشيخ نواف الأحمد مبنى الركاب الجديد بالمطار
الراحل الشيخ صباح الأحمد مفتتحاً وسمو الأمير الشيخ نواف الأحمد مبنى الركاب الجديد بالمطار
إذا كان سمو الأمير الراحل، الشيخ صباح الأحمد ، طيّب الله ثراه، حصل بامتياز على لقبي عميد الديبلوماسية وقائد العمل الإنساني، نظراً لأدواره البارزة سياسياً واجتماعياً على مستوى العالم، فإنه يحق لنا أيضاً أن نصفه بذي الرؤية الاقتصادية الثاقبة، وبمستشرف المستقبل الاقتصادي، إذ تجلى ذلك في أكثر من موقف وظهر في أكثر من قرار وتوجيه، واتضح في الكثير من خطاباته - رحمه الله -، على مدى مسيرة امتدت أكثر من 14 عاماً هي فترة توليه سدة الحكم في البلاد.

فمنذ بداية فترة توليه سدة الحكم في البلاد، أطلق الراحل رغبته السامية بتحويل الكويت إلى مركز مالي وتجاري إقليمي ودولي، عبر تطوير مشروع وطني ينهض بالاقتصاد الوطني ويعزز مسيرة التنمية الشاملة والمستدامة.

ولناحية معالجة الاختلالات في الاقتصاد الكويتي، ركّزت توجيهات سموه دائماً على ضرورة معالجتها عبر حزمة من الإجراءات تكفل تصحيح مسار الموازنة العامة للدولة وتفعّل دور القطاع الخاص ليتحمل مسؤولياته بالمساهمة الفاعلة في النشاط الاقتصادي.


كما كان التوجه إلى الطاقة المتجددة إحدى رغبات فقيد الكويت، لتوفير جزء من احتياجات الكويت لتوليد الكهرباء، إضافة إلى التعامل مع أزمات اقتصادية عديدة، من الأزمة المالية العالمية في 2008، إلى أزمات أسعار النفط في 2016 ومن ثم خلال السنة المالية الحالية، مع ظهور تداعيات أزمة «كورونا».

وحقّقت الكويت انتعاشات اقتصادية على أكثر من صعيد، في عهد الراحل، فمن إنجاز العديد من مشروعات البنية التحتية في مجالات عدة، صحية وتعليمية وغيرها، إلى القفزات التي حققتها البلاد على مؤشرات سهولة الأعمال والتنافسية العالمية، إلى تطوير سوق المال، الذي كُلّل بترقية بورصة الكويت لتكون ضمن الأسواق الناشئة على 3 مؤشرات عالمية. ومن الإنجازات في عهد سمو الأمير الراحل، إنشاء صندوق لتمويل المبادرين من أصحاب المشروعات الصغيرة والمتوسطة برأسمال ملياري دينار.

معالجة الاختلالات

لطالما أكد الأمير الراحل أن الاختلالات الهيكلية في الاقتصاد الوطني تشكل عبئاً ثقيلاً وهاجساً حقيقياً يهدد قدرة البلاد على تنفيذ برامجها ومواجهة التزاماتها المالية، مشدداً في أكثر من خطاب وفي مناسبات عديدة، طوال فترة حكمه، على ضرورة معالجة تلك الاختلالات، ومحذراً من أن واقعنا الاقتصادي ينبئ بمحاذير ومخاطر يصعب التكهن بحدود آثارها، بما لا يقبل التباطؤ أو التهاون إزاءها.

وفي ظل ذلك، دعا سموه - رحمه الله - غير مرة إلى اتخاذ حزمة من الإجراءات تكفل تصحيح مسار الموازنة العامة للدولة، لا سيما في ظل اعتمادها على النفط، الذي مرت أسعاره بأكثر من أزمة خلال فترة حكم الراحل، فمن تأثرها سلباً بالأزمة المالية العالمية في 2008 إلى أزمة الأسعار في 2016، ثم أزمة 2020 التي هوت بسعر البرميل نتيجة معركة الحصص السوقية من جانب، وتداعيات انتشار فيروس كورونا من جانب آخر.

كما أكد المغفور له بإذن الله، أكثر من مرة، ضرورة إيجاد معالجات لسوء لاستغلال الفوائض المالية وعدم استثمارها في الوجه الصحيح، وتفعيل دور القطاع الخاص في تحمل مسؤولياته بالمساهمة الفاعلة في النشاط الاقتصادي، مع ضرورة إيقاف مظاهر الهدر الاستهلاكي غير المسؤول، والإفراط في زيادة الإنفاق الجاري وغير المنتج.

الكويت مركزاً مالياً وتجارياً

كانت للأمير الراحل، رؤية تنموية تنطلق من مفهوم إستراتيجي عميق، يتضمن أبعاداً اقتصادية وسياسية وأمنية، بدءاً من السعي الحثيث لاستعادة دور الكويت كمركز مالي وتجاري إقليمي.

وحفلت السنوات الـ14 التي قاد فيها سمو الشيخ صباح الأحمد سفينة الكويت، بالعديد من المشاريع التنموية والخدمية الكبيرة التي تصب في جهة ترجمة رؤية سموه لنهضة وتنمية البلاد، وذلك في شتى المجالات، من الصحة، والتعليم، والإسكان، والبنية التحتية، إضافة إلى توفير الدعم للقطاع الخاص المحلي ليقوم بدوره المأمول في دفع عملية التنمية الاقتصادية والاجتماعية.

رؤية 2035 بأهداف تنموية

انبثقت رؤية «الكويت 2035» انطلاقاً من رؤية سمو الأمير الراحل بتحويل الكويت الى مركز مالي وتجاري إقليمي وعالمي جاذب للاستثمار، يقوم فيه القطاع الخاص بقيادة النشاط الاقتصادي ويحقق التنمية البشرية، ويزكي روح المنافسة ويرفع كفاءة الإنتاج في ظل جهاز مؤسسي داعم، مع استغلال تمتع الكويت بكل المقومات الأساسية للانطلاق نحو تحقيق هذه الرؤية المستقبلية وتوفير فرص الاستثمار والتنمية، مثل الموقع الجغرافي المتميز، والبنية التشريعية الجيدة، والنظام القضائي المتكامل، والسياسة الخارجية المتزنة.

واحتوت الخطة على منظومة متكاملة من الوثائق التنموية التي كان منها الخطة الخمسية التي شكلت مسارات التنمية للدولة على الأجل الطويل من خلال آليات ووسائل ومشروعات تكفل تحقيق الأهداف التنموية على الأجلين الطويل والمتوسط.

التصدي لأزمة 2008

شهدت فترة حكم الأمير الراحل، الأزمة المالية العالمية في 2008، التي تأثر بها الاقتصاد المحلي كسائر الدول حول العالم.

وانتهجت فيها الدولة، بقيادة سموه، نهجاً أدى إلى بث الطمأنينة وقلّص من تأثيرات الأزمة محلياً، إذ أُنشئت المحفظة الوطنية برأسمال 1.5 مليار دينار، بهدف حفظ استقرار البورصة، وهو ما خفف من أثر الأزمة على المستثمرين في سوق المال، وساهم في الحد من تراجعات الأسهم المدرجة، لا سيما المليئة منها.

كما تم إقرار قانون الاستقرار المالي، بهدف توفير الحماية القانونية للشركات المتعثرة القادرة على الاستمرار، إضافة إلى إصدار قانون ضمان الودائع لدى البنوك، كإجراء احترازي، لبث الطمأنينة في القطاع المصرفي ولدى المودعين، ضمن إجراءات تم اتخاذها للحد من تأثيرات الأزمة الاقتصادية العالمية.

سهولة أعمال وتنافسيةجاءت الكويت، في عهد الأمير الراحل، للمرة الأولى، بين أفضل 10 دول تحسناً ضمن نتائج مؤشر البنك الدولي لسهولة ممارسة الأعمال في 190 بلداً، في نسخته الأخيرة، مع إشادة البنك بالتقدم الذي حققته الكويت في تعزيز دور القطاع الخاص وتحسين بيئة الأعمال والاستثمار، وتأكيده أنها «تسير في الاتجاه الصحيح».

كما جاءت الكويت ضمن الدول الأكثر تحسناً في الشرق الأوسط لجهة تطوير قدراتها التنافسية، وذلك على مؤشر التنافسية العالمي الصادر عن المنتدى الاقتصادي العالمي «دافوس» في أكتوبر من العام الماضي، بعدما قفزت 8 مراكز، لتحلّ في المرتبة 46 عالمياً من بين 141 دولة شملها المؤشر.

دعم ملياري للمبادرين

دعماً للشباب الكويتي المبادر، وحرصاً على تنمية قطاع المشروعات الصغيرة المتوسطة، لما يشكله من أهمية لأي اقتصاد، أنشئ في عهد سمو الأمير، وتحديداً في عام 2012، الصندوق الوطني لرعاية وتنمية المشروعات الصغيرة والمتوسطة، برأسمال ملياري دينار، من أجل تمويل مشاريع المبادرين، وتوجيه الشباب الكويتي نحو العمل الخاص، ليكونوا صنّاع ثروات بدلاً من الاعتماد على الوظيفة الحكومية.

الطاقة المتجدّدة... رهان رابح

ضمن رؤيته الاقتصادية المستقبلية الثاقبة، جاءت الرغبة السامية للأمير الراحل بتأمين 15 في المئة من الطلب المحلي على الكهرباء من خلال الطاقة المتجددة، بحلول عام 2030، الأمر الذي من شأنه أن يوفر أكثر من 2.46 مليار دولار سنوياً.

هذه الرغبة من شأن تنفيذها تقليص النفط الخام المستخدم في توليد الكهرباء محلياً، ما سيزيد الصادرات النفطية والمواد المكرّرة ويعظم من إيرادات الدولة.

قفزات كبيرة بالبورصة حقّقت بورصة الكويت قفزات كبيرة في عهد الأمير الراحل، على مستويات عدة.

ففي 2010 أُنشئت هيئة أسواق المال في عام 2010، وذلك بهدف تنظيم نشاط الأوراق المالية بما يتسم بالعدالة والتنافسية والشفافية، وتنمية البورصة وتنويع وتطوير أدواتها الاستثمارية، مع السعي للتوافق مع أفضل الممارسات العالمية، وتوفير حماية المتعاملين في نشاط الأوراق المالية.

كما خُصّصت البورصة نهاية العام الماضي عبر بيع 44 في المئة من أسهمها من خلال مزاد للقطاع الخاص، إضافة إلى اكتتاب المواطنين بـ50 في المئة من أسهم الشركة، وحصلت البورصة على الترقية ضمن 3 مؤشرات عالمية للأسواق الناشئة، هي «فوتسي راسل» و«ستاندرد أند بورز داو جونز»، وآخرها «MSCI» التي تدخل حيز التنفيذ في نوفمبر المقبل.

تخفيف تداعيات «كورونا»

ضمن تعامل الدولة مع تداعيات أزمة «كورونا» الاقتصادية، وفي ظل توجيهات سمو الأمير الراحل، شهدت الفترة منذ بدء انتشار الفيروس محلياً، العديد من الإجراءات لتخفيف تداعيات الأزمة اقتصادياً على المواطنين والمقيمين، وكذلك على شركات القطاع الخاص.

فشُكّلت اللجنة التوجيهية العليا للتحفيز الاقتصادي، والتي كان من ضمن ما انتهت إليه الإقراض الميسر للشركات المتأثرة بـ«كورونا»، سواءً مشروعات صغيرة أم متوسطة أم كبيرة، إضافة إلى مشروع قانون بضمان الحكومة لـ80 في المئة من تلك القروض، أقرته اللجنة المالية في مجلس الأمة أمس، تمهيداً للتصويت عليه في المجلس، كما أُجّلت أقساط القروض الاستهلاكية والمقسطة، للمواطنين والمقيمين، لمدة 6 أشهر.