الرأي اليوم

العالم بلا صباح

لأيام، لأسابيع، لأشهر، لسنوات، ستفتقد الكويت صباحاتها برحيل صباح. يغيب الدفء عنها. يشكل الحزن غيمة تحجز خيوط الشمس عن ملامسة التراب ويتحول الدمع كفناً يحتضن قامة الرجل إلى مثواه ... وأي رجل؟ وأي قامة؟ كويت بلا صباح... وكم من كويتي ولد وعاش ولم تكن ابتسامة صباح في وجهه؟ أكثر من 70 عاماً أمضاها في الشأن العام وفي مختلف الإدارات. رجل نقل الإمارة من زاوية ضيقة على الخريطة إلى كل زوايا العالم وخرائطه بفعل رؤيته القائمة على ان الدول الصغيرة كبيرة برسالاتها. لم يعترف يوماً بأن دور الكويت بمساحة حدودها أو حتى بمساحة حدود الإقليم. أراد لها دورا عالميا وكان له ما أراد... حتى وقف العالم بأسره تحية واحتراما له مطلقاً عليه لقب زعيم الإنسانية.

أميرنا، والدنا، قائدنا، خبر الشأن العام بكل شؤونه وشجونه. تدرج من أولى عتبات السلم الوظيفي ولمس عن قرب مشاكل الإدارة، وكان كلما تقدم عمودياً في هيكل السلطة يتقدم أفقياً في نسيج المجتمع. لم يترك بيتاً إلا وزاره، وواجباً إلا وقدمه، وعرساً إلا وأحتفل فيه، وحزنا إلا وشارك فيه. كان معنا... بيننا... يلبي نداء القاصد. ينام وقلبه مفتوح قبل أبواب قصره، ويغمض عينيه على رضى الله ومحبة الكويتيين وافتخار رموز العرب والعالم بسياسته ورؤيته وحكمته.

لم يكن حلمه مفروشاً بالورود قط. كانت محاولات اغتيال هذا الحلم بحجم اغتيال وطن. عندما مرت الكويت في مرحلة التجاذب الإقليمي العربي – العربي في ستينيات القرن الماضي وقف في منتصف المساحة بين تطرفين: دعاة الوحدة والذوبان في كيانات أكبر مهما كانت النتائج ودعاة الانسلاخ من العباءة العربية بحجة رفض الهيمنة والديكتاتورية. وعندما بدأت الصراعات العربية – العربية تأخذ مكان الصراع العربي – الإسرائيلي تقدم الصفوف لرأب الصدع وإعادة البنادق إلى وجهتها الحقيقية مكرساً كل إمكانات الكويت لدعم الثورة الفلسطينية بالمال والسلاح والمواقف وبإقناعها بأن طريق فلسطين لا تمر في لبنان أو غير لبنان. وعندما واكبت الحرب العراقية – الإيرانية الصراعات العربية كان الإطفائي الحقيقي الذي حيد الكويت بديبلوماسية الناقلات وأعلام الدول الكبرى. وعندما غدر "الشقيق" واحتل الكويت جالباً الزلازل والبراكين من العالم إلى الخليج لم ينم صباح الأحمد وهو يشاهد أحلام المستقبل تتحوّل إلى كوابيس... ومع ذلك عرف كيف يوظف الورد الأبيض الذي زرعه في حقول العالم لتبديد الشوك الأسود الذي حاصر الكويت.

لم يكن حلمه مفروشاً بالورد قط، لكنه رفض أن يعيش أسير تحسس الظهر خوفاً من غدر آخر. ضاعف حلمه في اتجاه إعادة إعمار الكويت وتحويلها مركزاً مالياً في المنطقة، وعزز رسالتها شرقاً وغرباً ليزيد مساحات الخير في مدارات الآخرين. وفي الوقت نفسه لم يتخل عن أمانة ورثها أو فرّط في مكسب زرعه أسلافه... "دستورنا سورنا وديموقراطيتنا وحرياتنا خط أحمر".

كانت عينه على الداخل رغم أن عيون الخارج عليه دائماً تتطلع إلى دور أو وساطة أو مبادرة، وعندما أسماه العالم زعيم الإنسانية تمنى على الجميع أن يكون اللقب للكويت وليس له... الكويت التي أرادها منارة في محيطها تستمد نورها من تطورها وتقدمها ورسالتها ودورها. بهذا المعنى كان الأمير الكبير الراحل سيد التوازنات، بين داخل قوي مستقر آمن متطور وبين خارج يراد منه التعاون والسلام والعلاقات الجيدة، وكان يدرك بخبرته الفريدة أن أي اختلال في هذه العناصر سيؤثر على التوازن برمته.

رحمك الله يا صباح الكويت والخليج والعرب، رحمك الله يا نازع الألغام لتزرع مكانها الابتسامة...

أتبكيك أسرتك الصغيرة، التي غرست فيها مساحات المحبة لأسرتك الكبيرة و"عيالك" الذين ما فرقت يوما منهم بين حضري وبدوي وسني وشيعي؟

أتبكيك الكويت، التي أفنيت عمرك في خدمتها وخدمة تطورها وخدمة أبنائها وخدمة دستورها ومكانتها؟

أيبكيك الخليج، وأنت في قلب وفاقه وحارس وحدته؟

أيبكيك لبنان، وأنت الذي أسست سلامه الممهّد لاتفاق الطائف وساهمت في إعادة إعماره؟

أتبكيك سورية، وأنت الذي بلسمت جراح أهلها وتزعمت أكبر حملة إنسانية عرفتها البشرية لإغاثة اللاجئين ومساعدة المحتاجين؟

أيبكيك العراق، وأنت الذي مددت يداً بيضاء محت بصمة سوداء فرضها حاكم ظالم على شعبه وعلى الآخرين؟

أتبكيك فلسطين، وأنت الذي دعمت الحق منذ البداية ورفعت الصوت العربي عاليا ضد الغزاة الإسرائيليين، وبلسمت جراح المناطق المنكوبة في الضفة والقطاع؟

أتبكيك مصر، وأنت الذي كنت ترى ما يراه شعبها ولم تبخل بشيء من أجل عزتها ومنعتها واستقرارها وتقدمها؟

أيبكيك الأردن، وأنت الذي كان تقدم شعبه ودعم أمنه واقتصاده هاجسك الدائم؟

أتبكيك دول المغرب العربي ودول افريقيا وآسيا التي ما تركت مشروعا حيويا فيها إلا ووجّهت بدعمه والمساهمة فيه؟

أيبكيك الفقراء في كل مكان الذين يقرأون اسم "الكويت" على مدارسهم ومستشفياتهم وطرقهم وسدودهم ومنشآت الماء والكهرباء؟

أيبكيك العالم الذي يرى فيك ركن الحكمة والاتزان والصديق الصدوق المقدّم للنصيحة من باب المحبة والمصلحة المشتركة؟ أيبكيك وهو من نصّبك زعيماً للإنسانية بعدما رأى أنك الوحيد الذي لم تتاجر بمعاناة الضحايا، وأنك الوحيد الذي يعطي ولا يأخذ، وأنك من أسس مدارس بلسمة الجراح وإغاثة الملهوف؟

سيبكيك الجميع لأنك ما مددت سوى اليد البيضاء والنية الصادقة والنصيحة المخلصة والقلب النابض بالخير للجميع... لكن دمعنا فيه حرقة أكبر، وقلوبنا فيها حزن أكبر، ومشاعرنا فيها حسرة أكبر، لأنك صباحنا... ولأنك منا... لأنك نحن... لأنك الكويت.

رحمك الله وأسكنك فسيح جناته وألهم الكويتيين الصبر والسلوان.