رأي «الراي»

الغزو الافتراضي

كلما دار حديث علني في موضوع التركيبة السكانيّة دارت تساؤلات هامسة داخل أوساط معيّنة محورها السّؤال التالي: «وهل يمكن أن يقوم الكويتيّون بكل الأعمال التي يقوم بها الوافدون؟». أو:«هل تريدنا الحكومة بعد عقود من النمط الاستهلاكي الذي شجّعت عليه أن نمارس بين ليلة وضحاها وبشكل مكثّف مختلف الأعمال؟».

هذه التساؤلات الهامسة لها ما يبررها في الشكل استناداً إلى تجارب كثيرة فاشلة لحلول العامل المحلي مكان الأجنبي، وليس آخرها التجربة التي هدفت إلى تأمين أماكن عمل بوظيفة أمين صندوق لآلاف المتقاعدين ولم يتقدم أو يرضى بها سوى عشرات.

لكن هذه التساؤلات لا يمكن تبريرها نهائياً في المضمون، فمن يعرف طبيعة الكويتي تاريخيّاً يدرك أنه كان يشقّ عباب اليمّ بحثاً عن مصدر رزقه، أو يحمل أكياس الطين والأسمنت على ظهره لبناء بيت، أو يحوّل كتفيه أقنية ماء للمنازل، أو يحرس «الفريج» ليلاً، أو يعمل «خرّازاً» يصنع كل أنواع الجلود، أو نجّاراً، أو بائعاً جائلاً للأدوات النحاسية. بل كان الكويتي من أوائل الحريصين على الأمن الغذائي فلا يكتفي بالتخزين بل بصيانته من خلال «النخاس» الذي يجول في السكك عارضاً إصلاح الرحى لطحن الحبوب بين المواسم... وغيرها وغيرها حتى أصبح اسم المهن مرتبطاً باسم عائلات كريمة لعب أجدادها دوراً في التأسيس والتنمية.


وسيقول قائل إن استذكار التاريخ غير واقعي بعدما صار النفط المصدر الوحيد للدخل وما تفرع عنه باختصار دور الدولة الراعية لكل شيء من الوظيفة المحاطة بتأميناتها إلى السيولة الوازنة في الموازنات العامة. وإنّ الدّول تقاس بتحدياتها لا بذكرياتها، وإنّ الخلل أصعب من طرق الحل، وإنّ الحكومات المتعاقبة لم تفعل مثل النرويج مثلاً التي حجبت مداخيل النفط عن الموازنات وحصرتها في الصناديق الضخمة لضمان استمرار معدلات التنمية الاقتصادية والاجتماعية في تطور مستمر ومنعاً لسيادة روح التواكل والنزعات الاستهلاكية.

كل ما سبق ذكره صحيح وواقعي، لكن تجربتين مهمّتين أثبتتا أن الكويتي قادر على ترجمة إمكاناته وعطاءاته... وهما تجربتان مأسويتان للأسف الشديد إن لم نقل كارثتين.

ففي الغزو، استخرج الكويتي من المحنة ودمويّتها وبشاعتها وقساوتها أفضل ما عنده. كانت عينه على التحرير وسواعده على إدارة البلاد وعدم تركها للآخرين، ناهيك عن أوسمة الشرف المتمثّلة بالمقاومة وشهدائها وأسرانا الذين صارت قضيتهم عنوان الشرف والفداء.

في الغزو، عمل الكويتيّون، رجالاً ونساءً، في كل مجال لم يكن يتخيّله أحد. كانوا يخبزون في الأفران، ويرعون الغنم، ويؤسّسون الحظائر، ويديرون مكامن الطاقة من ماء وكهرباء بأساليب مبتكرة عبر محركات وأقنية خاصة. عادوا إلى الصرافة لتأمين ما أمكن من حاجات الناس، وفتحوا البقالات شراءً ومبيعاً، واسترجعوا مهن الأجداد في تخزين الغذاء وصيانة أدواته، وتمرّسوا في النقل، وفي البناء، وفلح الأرض ليأكلوا مما يزرعون ويلبسون مما يصنعون. بل أكثر من ذلك تولّوا تحت ظروف مخيفة بعض إدارات الدولة مثل التناوب على الحراسة والحفاظ على مستويات التعليم في البيوت بجهود فردية، وعلى تنظيم السير والتطوع في الجمعيات والتمريض وأنجبت نساء أبناءهن في المنازل بيد «الداية» الجوالة.

وفي أزمة كورونا الراهنة التي تختلف في الشكل والمضمون عن كارثة الغزو، بيّض الله وجوه مئات المتطوّعين الذين أداروا الجمعيات التعاونية وهم يواجهون خطر الإصابة لمساعدة الناس وتأمين ما يحتاجون إليه وكانت اندفاعتهم تملأ القلوب محبّة والعقول فخراً. من لم يذهب إلى عمله بفعل القوة القاهرة صار يساعد في توزيع الكمامات والمعقّمات، ولن نتوسّع في الحديث عن أبطال الصفوف الأمامية الذين ضحّوا بالغالي والنفيس من أجل الإنقاذ والرعاية وتخفيف الآلام عن المحتاجين، ناهيك بأيادي الخير التي كرّست جلّ وقتها في توزيع المساعدات على أبناء المناطق التي شهدت حظراً كاملاً وضربت أمثلة ولا أروع.

طبعاً كان للوافدين حصة مهمّة في كل ما ذكر وبعضهم حفر اسمه في تاريخ العطاء والفداء، لكن الموضوع اليوم هو من باب الردّ على التساؤلات الهامسة في ما يتعلق بالكويتيّين وعملهم.

لا نريد للكوارث أن تتكرّر إنما نريد للمجتمع أن يتهيأ وللحكومات أن تتّعظ، من هنا، يمكن المساهمة بفكرة قد تبدو ضرباً من خيال لكنها في العلوم الافتراضية وسيلة اختبار ضغط تلجأ إليها كبرى المنظومات بين فترة وأخرى لمعرفة القدرات والإمكانيات وتدريب الطاقات على مواجهة الأصعب.

الفكرة هي أن تضع الدولة خلال فترة زمنيّة قصيرة خطّة تجعل البلاد تعيش مرّة كل عام واقعاً افتراضياً شبيهاً بمرحلة الغزو، ينقل الكويتيّين إلى طريق مختلف من العمل والإنتاج يقدمون فيه على مزاولة كل الأعمال الممكنة لإخراج أفضل ما عندنا من طاقات وإمكانات، ويتشرّبون معه قيم الانخراط الفعلي في دورة التّنمية والكسب والتّوفير والادّخار والتّحوّط للمستقبل. فكرة تدفعنا إلى تخيل العيش في أوضاع استثنائية والتعامل مع التحدّيات غير الطبيعية التي ستواجهنا بقدراتنا الطبيعية... وهذه «الكارثة الافتراضية» أو «الغزو الافتراضي» أو «المصائب الافتراضية» (سمّها ما شئت) يمكن أن تعيد التوازن لما فقدناه، وتنقلنا من الخيال إلى الواقع، وتدخلنا رويداً رويداً (من باب التأسيس لا من باب التجربة) في إطار المجتمعات المنتجة خصوصاً بعدما حصل ما حصل لإيرادات الذهب الأسود الذي اعتمدنا عليه وأهملنا النبض الحقيقي للتّنمية، ووصولاً إلى مرحلة متقدّمة تتعدّد فيها مناطق الدخل وتتنوّع.

المصاعب لن تتوقف والرعاية الكاملة من الدولة ستتراجع حكماً، والكويتيون لا يريدون اختبار الألم فقط و«التحلطم» بل تأمين الدرع التنموي – الاجتماعي الواقي الذي سيقيهم غدرات الزمن. هكذا كانوا... وهكذا سيستمرّون.