أبعاد السطور

حكاية محكمة الرقعي!

سأكتب لكم حكاية وقعت معي، وهي أشبه بالخيال، ولم أكن أتصوّر من قبل بأني سأمر بها في يوم من الأيام، حكاية جعلتني ككيس الشاي الذي يصعد مرّة في الهواء والمرّة الأخرى ينزل في كوب الماء الساخن لمرّات عدة، غير أن الفرق بيني وبين كيس الشاي أنني كنت أصعد عالياً في بهدلة وأنزل مرّة أخرى في بهدلة!

فبسبب إحدى القضايا الصحافية وكالمعتاد اتجهت إلى محكمة الرقعي من أجل أن أرفع البلوك الذي وُضع على اسمي، من أجل إتمام بعض المراجعات الحكومية المهمة، وفور دخولي المحكمة اتجهت نحو الاستعلام القضائي، وسألت إحدى الموظفات بعد أن قدمت لها كل الأوراق المطلوبة: كيف أرفع البلوك عني؟ فقالت لي: اصعد للدور الثامن عند ما يسمونه بالجدول، فلما صعدت واتجهت إلى الجدول وجدت بشراً كُثراً متزاحمين عند المدخل، ويوجد لتنظيمهم شخص عسكري مع مجموعة من موظفي شركة الحراسة ذكروني بفتوات الحارات القديمة، وبعد الانتظار والعطش جاء دوري فأعطيت أوراقي لإحدى الموظفات هناك من تحت الشباك اللعين وأنا بوضع جسدي مخجل، وطلبت منها أن تستكمل لي بقية إجراءات رفع البلوك عني، فدققت بأوراقي وقالت لي بكل ثقة: انزل الدور الرابع، هناك راح يخلصونك.

فأخبرتها أن موظفة الاستعلام القضائي هي من وجهتني أن آتي إلى هنا! فقالت لي بثقة: أخوي هذا شغلي، روح للدور الرابع ومالك شغل! وما حيلة المضطر إلا أن يكون مطيعاً فتوكلت على الله ونزلت نحو الدور الرابع، وعند خروجي من المصعد وجدت أمامي إدارة يجلس في واجهتها مجموعة من الموظفين، ولما قدمت لهم أوراقي ودققوا بها قالوا لي بأن ليس لهم علاقة بأوراقي لا من قريب ولا من بعيد، حيث إن إدارتهم مختصة بالمخاصمات الأُسرية! فوقفت مذهولاً مما سمعت! وتذكرت كيف كانت موظفة الجدول تكلمني بتلك الثقة المطلقة! فقررت أن أنزل من جديد نحو الاستعلام القضائي، وبعد أن وصلني الدور أخبرت الموظفة ذاتها بكل الذي جرى معي والوقت الذي هُدر حتى رجعت لها من جديد، فسألتني وين أوراق البرنت اللي طبعتها لك؟ فأخبرتها بأنها لم تطبع لي ولم تعطني أي أوراق! فاعتلى وجهها شيء من الحرج، ثم طبعت لي أوراق برنت وقالت لي أن أصعد للدور الثامن من جديد!


وما حيلة المضطر إلا أن يكون مطيعاً فتوكلت على الله وصعدت الدور الثامن وبصعوبة بالغة استطعت أن أُقنع فتوات الحارة الذين كانوا بالخارج بضرورة دخولي، وبعد أن دخلت اتجهت إلى شباك الموظفة ذاتها التي كانت تكلمني بثقة، فأخبرتها بكل الذي جرى معي بنبرة حزن وأنا صعبان على نفسي، فأخذت مني كل الأوراق وأخذت تدقق وتتبصر بأوراقي ثم رفعت رأسها وقالت: اخوي شغلك مو عندي، شغلك في الدور الأول مكتب وزارة الداخلية عشان تطلع شهادة تحديد جلسة! وما حيلة المضطر إلا أن يكون مطيعاً فتوكلت على الله ونزلت للدور الأول فدخلت بشق الأنفس مكتب وزارة الداخلية، وبعد أن جاء دوري قمت وتكلمت مع إحدى الموظفات هناك وأخبرتها بالذي جرى لي، فقالت لي: وي مسكين! وبعد أن دققت بأوراقي قالت لي: اصعد للدور الثامن! فشعرت على الفور بألم في بطني! وما حيلة المضطر إلا أن يكون مطيعاً فتوكلت على الله وصعدت الدور الثامن ولأن العسكري وفتوات الحارة رأوني عندهم أكثر من مرّة ادخلوني على الفور، فلما وصلت لذات الموظفة المتكلمة بثقة، قالت لي: والله شغلك مو عندي، وأنا أقف أمامها كما يقف الطفل المخطئ أمام أمه. ثم نزلت للدور الأول من جديد وهناك رأيت فتاة ترتدي «بالطو» المحامين فطلبت منها مساعدتي وأخبرتها بقصتى بالكامل، فضحكت من الذي سمعته وهي متشككة! فأقسمت لها بالله أن هذا هو الذي حصل معي اليوم، ثم قالت لي استخرج شهادة تحديد موعد جلسة من الاستعلام القضائي، وبعدها سيكون كل شغلي في منطقة الصليبية في إدارة تنفيذ الأحكام، وهناك سيقومون بتوجيهي، ولأن وقت العمل قد انتهى، ذهبت في اليوم التالي نحو الصليبية وأنهيت اجراءات رفع البلوك!