رؤية

السامية بين العداء والتقريب

تعود جذور عداء الغرب المسيحي لليهود إلى تسبّبهم بصلب السيد المسيح (شُبّه لهم)، واضطهادهم تلاميذه في القرون المسيحية الأولى، وإلى ازدراء اليهود للديانة المسيحية وأصولها العقدية كالتوحيد والتثليث والولادة من عذراء، وهجومهم على السيد المسيح في أدبياتهم وادعائهم عليه كذباً بتخريب هيكل المعبد ما حدا بالحاكم الروماني إلى صلبه (شُبّه لهم)، فإيمانهم بأنهم شعب الله المختار يجعل غلاتهم يعتبرون الآخرين أغياراً دونهم قيمة ولا مانع من التنكيل بهم بل وحتى قتلهم والاستيلاء على ممتلكاتهم، فوصايا نبي الله موسى عليه السلام العشر تنطبق في رأي هؤلاء الغلاة على اليهود فقط.

تشكّلت الأحزاب السياسية المعادية للسامية بداية في ألمانيا والنمسا وفرنسا في القرن 19، ولعبت سيطرة اليهود آنذاك على اقتصاد الدول التي يقيمون فيها وتعاملهم بالربا الفاحش دوراً رئيساً في كراهية شعوبها لهم، ولذا فقد لجأوا إلى تملك الذهب والمعادن الثمينة والألماس وتقطيعه واستخدامه كحلي لتفادي إثارة الشعوب، إلّا أن إنشاء روتشايلد لأول بنك في العالم أظهر هيمنتهم على المال ومن ثم اقتصاد الدول التي كانت تقترض من أثريائهم أحياناً.

لعبت النزعة القومية التي انتشرت بسرعة في دول أوروبا قبيل الحرب العالمية الثانية دوراً مهماً في ظهور معاداة السامية، وظهرت كتب عدة نسبت لليهود والصهاينة واكتسبت شهرة ورواجاً كبيرين بين الأوروبيين كان أشهرها بروتوكولات حكماء صهيون الذي يصف مؤامرة يهودية على العالم - بما فيه الدول العربية - أكسبت اليهود كراهية شديدة، مما جعلهم يبذلون جهوداً مضنية في إنكار صدور هذا الكتاب عنهم، و أضاف الباحثون في علوم أصل الإنسان ذات النزعة العنصرية بعداً علمياً يدعم فكرة دونية العرق السامي اليهودي ولؤمه وخداعه ونكرانه الجميل، وأضاف حزب أدولف هتلر النازي عام 1919 بعداً سياسياً يبرهن به على صحة نظرياته، ومع توليه السلطة عام 1933 سن القوانين المعادية لليهود و للسامية.


كان العداء للسامية في المجتمعات الإسلامية أقل عنه في أوروبا، ومن أشكاله فرض زي خاص على اليهود ومنعهم من الاختلاط بالمسلمين في بعض الحقب الإسلامية، وأدى تعامل اليهود بالربا الفاحش إلى موجات غضب قام بها مسلمون استعادوا فيها أملاكهم في صفد وفي العراق، وضاعف قيام دولة إسرائيل في فلسطين من المشاعر المعادية لليهود في الدول العربية والإسلامية، ودور إسرائيل في حرب اليمن عام 1962، والعدوان الثلاثي على مصر عام 1956، ونكسة عام 1967، إلى تعطيل انتشار تيار القومية العربية المعادي للغرب في الجزيرة العربية، الأمر الذي قابلته الولايات المتحدة تحديداً والغرب بشكل عام بالتقدير والعرفان والاعتماد على إسرائيل لتكون اليد الضاربة لأميركا في الشرق الأوسط وسنّت التشريعات التي جعلت من عداء السامية جريمة يعاقب عليها القانون، ونسب إلى الرئيس الأميركي ترامب قوله إنه لولا هذه القوانين التي سنناها لقتل اليهود في كل أصقاع الأرض لفرط كراهية الشعوب لهم! ساهم تميز اليهود العلمي في قبول المجتمعات الغربية لهم، فهم أصحاب النظريات الاكثر تأثيراً وانتشاراً في العالم وفي كل المجالات العلمية، فمنهم واضعو نظريات أصول الاقتصاد العالمي، فآدم سميث هو مؤسس الرأسمالية وكارل ماركس مؤسس الاشتراكية، وفرويد وضع قواعد علم النفس، ويُعد ميكافيللي مؤسس علوم السياسة، وأدت مساهمة اينشتاين في تفجير القنبلة النووية إلى إنهاء الحرب العالمية الثانية لصالح الحلفاء، وانتشرت تسمية اليهودية بالأخ الأكبر للمسيحية وأطلق على شريعتها مسمى العهد القديم، تقريباً لها من المسيحية التي سُميت بالعهد الجديد.