pdf
رئيس التحرير وليد جاسم الجاسم

رؤية و رأي

«الآل» في قانون المطبوعات

حين كان تكتّل المعارضة الحالية متحالفاً مع الدولة (الرسمية) بفضل ثقله في «الدولة العميقة»، وظّف بكثافة وسائل إعلام حكومية وأخرى خاصة، فضلاً عن التواصل الاجتماعي، لخلق صور مثاليّة لنوّاب بارزين. ولكن عند مراجعة الوثائق الرسمية الخاصة بتلك المرحلة، كالوثائق البرلمانية المتاحة في موقع الأمانة العامة لمجلس الأمة على شبكة الإنترنت، تنكشف إشكاليّات متعددة تناقض تلك الصور. ومن بين تلك الإشكاليات منهجية التعاطي مع الاقتراح بتجريم الإساءة إلى «آل البيت» أسوة بالصحابة وزوجات النبي صلى الله عليه وآله وسلم.

أثناء جلسة المداولة الثانية لمشروع قانون المطبوعات والنشر الذي أعدته اللجنة التعليمية، تقدم 13 عضواً في مجلس 2003 - من انتماءات اجتماعية مختلفة تمثل ألوان الطيف الكويتي - باقتراح إضافة «أهل البيت» إلى قائمة المحظور الإساءة إليهم في المادة (19) من مشروع القانون. ولكن اعترض على هذا الاقتراح مجموعة من النوّاب، كان أبرزهم النائبان السابقان الدكتوران وليد الطبطبائي وفيصل المسلم، اللذان تمكّنا من إفراغ الاقتراح من مبتغاه، وتحويله من قانون يحظر الإساءة إلى أئمة أهل البيت الاثني عشر إلى مجرد إضافة كلمتين إلى نص المادة (19) من غير أي أثر قانوني، وذلك من خلال إضافة تعريف خلافي لـ«الآل» في المذكرة التفسيرية، استبعد بموجبه الأئمة من غير الصحابة من الحصانة القانونية.

بعيداً عن رأيي في نهج الدكتورين الطبطبائي والمسلم، موقفهما من الاقتراح كان منسجماً ومتوافقاً مع هويتهما السياسية المعلنة. ولكن في المقابل، مواقف عدد من النوّاب من الاقتراح كانت مخالفة ومناقضة للمشهور عن هويتهم السياسية. وكان من بينهم رئيس مجلس الأمة الأسبق السيد أحمد السعدون، الذي كانت له مداخلة مؤيدة لتحرّك الطبطبائي والمسلم، حيث إنه استشهد في مداخلته بحديث المباهلة وطالب أن «يُشرح بشكل واضح في المذكرة التفسيرية» أن المقصود بـ«آل البيت» هم فقط «علي وفاطمة والحسن والحسين».


لست بصدد تقييم أداء السعدون البرلماني، ولكنني حريص على كشف التباين بين نهجه السياسي وبين هويته السياسية التي رسمتها لنا وسائل إعلام متنوعة في العقود الزمنية الماضية. فموقف السعدون المعارض لمقترح تحصين الأئمة الاثني عشر، بالإضافة إلى عدد من المواقف الأخرى ذات البعد الديني، كشفت أن الجانب الديني لديه طاغٍ على الجانب الدستوري. فعوضاً عن التعاطي مع المقترح بمنظور دستوري يساوي بين أطياف المجتمع في الحقوق والواجبات، وبمنظور وطني يصون النسيج المجتمعي من الفتن الطائفية، تبنى المنظور الديني فطالب بإقرار التعريف الأوسع للصحابة والتعريف الأضيق لـ«الآل» في المذكرة الإيضاحية للقانون.

وفي جانب آخر، أوضح رئيس اللجنة التعليمية الدكتور فيصل المسلم أن اللجنة تباحثت حول اقتراح إضافة «الآل»، وبعد الاستئناس بعدّة آراء توصلت إلى أن النص المُعد من قبل اللجنة - الخالي من ذكر «الآل» - يحقق مقصود الجميع. فعقب عليه مباشرة عضو اللجنة الدكتور حسن جوهر بكلمة وطنية رائعة نفى فيها وصول اللجنة إلى نتيجة حاسمة بشأن إضافة «الآل». ولكن بعد مراجعة تقرير اللجنة حول مشروع القانون، تبين أن اللجنة رفضت بالإجماع اقتراحاً قدّمه النائب صالح عاشور بضم «آل البيت» في نص المادة (19).

من حق السياسيين تبني أي نهج سياسي طالما كان متوافقاً مع الدستور. في المقابل، من واجبنا الوطني تقييم هذا النهج وفق الوثائق الرسمية والشواهد المعتبرة، بشكل منعزل عن الأحكام المسبقة المتواترة. فالكثير منا مازال ضحية التضليل والتلاعب بالعقول الذي مارستّه تجمعات سياسية متطرفة، منحت وسام الوطنية لحلفائها، وألصقت وصمة الطائفية بمعارضيها. وضرورة واجب التقييم مؤكدة، لأننا عند مفترق طريقين: العودة إلى أجواء الاحتقان الطائفي، أو الاستمرار في ترميم النسيج الوطني... «اللهم أرنا الحق حقا وارزقنا اتباعه».

abdnakhi@yahoo.com