مقاربات حول الانعكاسات الاقتصادية والاجتماعية والسياسية لطغيان الوافدين

«منتدى التنمية» يغوص في المشكلة السكانية: الضغوط الدولية تذهب بنظام الكفيل وتشرّع النقابات

تصغير
تكبير
| كتب إبراهيم فتيت |
حين قرر القائمون على تنظيم «اللقاء التخصصي لمنتدى التنمية» بنسخته الخامسة، مقاربة ملف الخلل في التركيبة السكانية في دول الخليج، كانوا يدركون أنهم يلامسون موضوعاً يبدأ بالديموغرافيا، ويمر بالاقتصاد والاجتماع، لكنه بات في هذه الأيام أكثر من أي وقت مضى يدخل في مداخل السياسة ولا يخرج منها.
فالخلل الذي أحدثته العمالة الوافدة في التركيبة السكانية لدول الخليج، بات موضوعاً لضغوطات تخضع لها دول المنطقة، كان أولى ثمارها في نظر بعض المتحدثين، الغاء نظام الكفيل في البحرين، وهي خطوة توقع أستاذ علم الاجتماع بجامعة البحرين الدكتور باقر النجار في كلمته أن تعقبها خطوات مماثلة من دول خليجية أخرى في المدى القريب وليس المتوسط، رغم المعارضة الشديدة التي يمكن أن تلقاها خطوة كهذه من أرباب العمل وبعض قطاعات المجتمع المستفيدة من استمرار نظام الكفالة.

وذهب النجار أبعد منذ ذلك، في كلمته التي ألقاها في المنتدى الذي عقد أمس في فندق «هوليداي ان دوان تاون»، حين رأى أن «الوضع التفاوضي لبعض دول المنطقة مقابل ضغوط الدول والمنظمات الدولية بات متآكلاً، الأمر الذي قد يدفعها الى تنازلات سياسية على صعيد العلاقة مع اسرائيل، أو بدرجة أقل تنازلات سياسية على صعيد الداخل تتثمل في المزيد من التحديث السياسي والتحول الديموقراطي».
وأضاف النجار الى ذلك قضية أخرى مهمة، هي شرعنة العمل النقابي في عدد من دول الخليج، نتيجة الضغوط التي تمارسها المنظمات الحقوقية الدولية.
وليتضح حجم المشكلة، أوضح النجار أن عدد السكان الخليجيين زاد خلال الخمس سنوات الماضية نحو ستة ملايين نسمة، ليصل الاجمالي الحالي 37 مليون نسمة، ومن المتوقع أن يتجاوز هذا الرقم 39 مليون نسمة نهاية العقد الحالي، اذا استمر النمو السكاني بمعدلاته الحالية، لافتا إلى أن حالة النمو السكاني في منطقة الخليج خصوصا في عقودها الثلاثة أو الأربعة الأخيرة، تعد احدى الظواهر الديموغرافية الفريدة من نوعها في التاريخ الحديث.
واضاف النجار خلال مناقشة ورقة العمل الخاصة به خلال اللقاء التخصصي الخامس لمنتدى التنمية أمس أن الرغبة في توازن التركيبة السكانية الخليجية، بات مطلبا سياسيا تتبناه النخب الثقافية والسياسية المحلية في دول الخليج لعقود مضت، الا أن تحقيق هذا المطلب يصطدم بحقيقة الحاجة للعمل الأجنبي في عمليات النمو الاقتصادي والاجتماعي.
وتابع: أنه من غير الممكن مناقشة حجم العمل الأجنبي ودرجة الطلب عليه في ضوء الحاجة الاقتصادية الفعلية، لافتا إلى أن العمل الأجنبي يقوم بأدوار اقتصادية واجتماعية وسياسية متعددة.
ودافع النجار عن وجود العمالة الأجنبية في دول الخليج، موضحا أن الحاجة الفعلية لاستقدامها سيبقى لبضعة عقود قد تتجاوز الثلاثة أو الأربعة عقود المقبلة، لأنها تمثل أساس عمليات النمو الاقتصادي للمنطقة على المدى المتوسط والبعيد.
وانتقد النجار اساليب استقدام العمالة قائلا ان بعضها أصبح جلبه وحضوره ذا منافع شتى لأصحاب القوة والنفوذ في مجتمعات الخليج، واستمرار هذا النوع من التدفق للعمالة الأجنبية رغم تباطؤ معدلات النمو الاقتصادي تعكس في بعضها هذه الحقيقة.
السكان والعمالة الأجنبية
وأشار النجار الى أنه من غير الممكن الولوج في مناقشة تداعيات الأزمة على سوق العمل دون مناقشة التركيبة العامة للسكان، كونها تركيبة تتسم بقدر قليل من التشوه ليس فحسب من حيث حجم ونسب المواطنين مقابل غير المواطنين، وانما للتركيبة المشوهة من حيث بنائها النوعي (الذكور مقابل الاناث) وكذلك البناء العمري.
موضحا أن الجسم المحلي للسكان به قدر كاف من التوازن من حيث البناء للذكور مقابل الاناث، أما الجسم السكاني الوافد فانه يتسم بغلبة غير عادية للذكور مقابل الاناث.
وقال النجار ان الأرقام الواردة تشير الى أن معدل الزيادة السكانية في عموم المنطقة الخليجية خلال الفترة الممتدة من عام 2003 وحتى نهاية العقد الحالي، تقدر بنحو 18.4 في المئة، وأن كل سنة تمضي تضيف مليونا جديدا الى سكان المنطقة، وهو أمر يحمل في طياته تحولات مهمة على الصعيد الاجتماعي والاقتصادي والسياسي.
ولفت الى أن المملكة العربية السعودية تمثل الجسم السكاني الأكبر في المنطقة، حيث انها تمثل لوحدها 65 في المئة من اجمالي سكان المنطقة، تليها دولة الامارات بنسبة 13 في المئة، مشيرا الى عدد سكان الكويت قفز من 2.3 مليون نسمة عام 2003، الى نحو 3.3 مليون نسمة عام 2008 أي بزيادة سنوية قدرها 20 في المئة.
سوق العمل
وأشار النجار الى الصعود السريع في أسعار النفط خلال السنوات القليلة الماضية، ما ساهم في تضخم الحاجات الفردية والمؤسساتية وبالتالي زيادة الطلب على العمالة الأجنبية، وتحديدا في القطاعات الانشائية والخدمية، وما يتصل بها من أنشطة خدماتية.
وأردف: أنه وفقا للاحصاءات الرسمية فان حجم المساهمة المحلية في قوة العمل في دول مجلس التعاون تنخفض لتصل الى 7.5 في المئة في بعض الدول، وقد ترتفع لأقصى نسبة وهي 15 في المئة كما في الحال الكويتية، الا أنها تبقى في عمومها متدنية ومتكدسة في جلها داخل القطاع الحكومي.
تداعيات الأزمة المالية العالمية
وأوضح النجار أن حجم رصيد دول الخليج من الأصول الأجنبية في عام 2008، وفق تقديرات معهد التمويل الدولي، نحو 2 تريليون دولار، تستحوذ أسواق الاستثمار العالمية على 530 مليار دولار منها.
وأشار الى أنه رغم كبر حجم الضرر الذي لحق بالأموال العربية في الأسواق الغربية والأميركية، جراء الأزمة الاقتصادية الراهنة، فان الحديث عن انتقال تلك الأموال نحو الأراضي العربية فهو كلام غير واقعي ويحدد مساره معوقات اجرائية وقانونية، وتعطل من امكاناته معطيات السياسة وصراع الأقاليم وغياب البيئة الاستثمارية المحلية الضامنة.
وأكد النجار أن الأموال العربية في عمومها، ونتيجة لطبيعة السياق الثقافي الحاكم له أو لمالكيه، أموال تبحث عن الربح السريع والذي لا يمكن أن يتم الا في قطاعات الانشاءات والعقارات، أو مضاربات الأسهم، وهي قطاعات لا تضيف كثيرا من حيث عائدها الانتاجي أو من حيث قدراتها على استيعاب أعداد أكبر من الباحثين عن العمل.
وشدد على أنه اذا ما استمرت مسارات التنمية بنمطها الحالي في الخليج، فان دور وحجم العمالة المحلية والعربية سيمضي للانخفاض، وبالرغم من تأكيدات القطاع الرسمي بأنه لا ينوي الاستغناء عن عمالته العربية، الا أن مزيدا من الانخفاض في أسعار النفط قد يقود نحو مزيد من السياسات الاقتصادية الترشيدية.
وقال النجار ان اعطاء الحقوق المدنية للعمالة الأجنبية سيكون على أجندة الدول الكبرى والمنظمات الحقوقية خلال المرحلة المقبلة، مشيرا الى قيام مملكة البحرين بالغاء نظام الكفيل، وهي خطوة قد يتم تعميمها على باقي دول الخليج.
الخريف
من جانبه، أكد استاذ الجغرافيا السكانية في جامعة الملك سعود بالرياض الدكتور رشود الخريف أن التحسن في مستويات المعيشة والصحة العامة، يُعد من أبرز العوامل التي شجعت النمو السكاني، والذي وصل الى نسبة 2 في المئة خلال العقد الحالي، وعلى الرغم من اتجاه معدلات النمو السكاني نحو الانخفاض في جميع دول مجلس التعاون، الا أنها لاتزال مرتفعة بالمقاييس العالمية.
الخصوبة
وأكد الخريف خلال مناقشته لورقة العمل الخاصة به وهي بعنوان «ملامح الخلل في التركيبة السكانية الخليجية» أن ديموغرافيا السكان الخليجيين لم تكن بمنأى عن التغييرات الاقتصادية والاجتماعية والثقافية التي شهدتها المنطقة، وأنها تركت بصماتها على أوجه الحياة، موضحا أن السلوك الانجابي لمواطني دول مجلس التعاون شهد طفرة سكانية بقدر الطفرة الاقتصادية نفسها نتيجة تحسن مستويات المعيشة والخدمات الصحية.
كما سجلت دول مجلس التعاون تحسنا ملحوظا في ظروف الحياة انعكس في الزيادة في العمر، بدرجة فاقت مستوى التحسن على مستوى الدول النامية، وامتد العمر المتوقع عند الميلاد ليصل لأكثر من 30 سنة، وبذلك يصل أمد الحياة في دول المجلس لمستويات تضاهي نظيراتها في الدول المتقدمة.
الوافدون
أشار الخريف الى أن تدفق أفواج العمالة الوافدة من الدول العربية والآسيوية، خلال مراحل انشاء البنى التحتية وتنفيذ المشروعات التنموية الكبيرة في دول مجلس التعاون، لخلل سكاني بات يهدد بذوبان القيم والهوية الوطنية، والسمات الخاصة للمجتمعات الخليجية داخل طوفان الأفواج الوافدة.
وأوضح أن العمالة الوافدة تمثل 75 في المئة من القوى العاملة في دول مجلس التعاون، مع تفاوت نسب وجود تلك العمالة من دولة لأخرى فهي ترتفع بدرجة كبيرة في الامارات لتصل الى 91 في المئة، تليها قطر 86 في المئة، ثم الكويت بنسبة 80 في المئة.
وتابع: أن الخلل في تركيبة القوى العاملة وانخفاض تأهيل القوى العاملة المحلية، وتدني الرواتب في القطاع الخاص بسبب منافسة العمالة الوافدة، كلها أسباب دفعت بقوة نحو وجود بطالة بين الشباب الخليجي، بالاضافة الى الاتكالية عند بعض من هؤلاء الشباب وعدم رغبتهم في ممارسة أعمال معينة.
حضر اللقاء التخصصي الخامس أعضاء منتدى التنمية من مختلف دول الخليج، وقامت بادارة جلسات المنتدى ابتسام الكتبي عضوة المنتدى من الامارات العربية المتحدة، ومنيرة فخرو من مملكة البحرين.
اللغة العربية الثانية في دبي

حذر الدكتور رشود الخريف من خطورة هذا الخلل السكاني في بعض دول الخليج وفي مقدمتها قطر والامارات، نظرا لانخفاض نسبة المواطنين الى ما دون 20 في المئة، حتى أصبحت اللغة العربية هي اللغة الثانية داخل الأسواق والمناطق العامة في دبي على سبيل المثال.
الأكثر قراءة
يومي
اسبوعي