صور من الحياة القديمة في جزيرة فيلكا

الهجرة إلى الجزيرة ومواقع الزور القديم / 1

تصغير
تكبير
| خالد سالم محمد |
تعد جزيرة «فيلكا» من الآثار التاريخية المهمة في الكويت القديمة، وان عصورا عديدة مرت عليها تشير إلى حضارتها، وما تميزت به قديما من ثقل حضاري وتجاري في الخليج العربي.
وسنبحر مع الباحث خالد سالم محمد عبر بعض فصول كتابه المهم «صور من الحياة القديمة في جزيرة فيلكا»، والذي تحدث فيه عن هذه الجزيرة التي هي من اهم جزر الكويت وتقع عند مدخل «الجون» في مواجهة العاصمة من جهة الشرق على بعد عشرين كيلو مترا، تحدها من الجهة الشمالية الغربية جزيرة «مسكان» ومن الجهة الجنوبية الشرقية جزيرة «عوهة»، طولها اثنا عشر كيلو مترا وعرضها في بعض الجهات ستة كيلومترات. على شكل مثلث مستطيل الاضلاع.
وعدد سكانها حسب احصائية عام 1980 «4844» نسمة منهم «2552» غير كويتي، وهي الجزيرة الكويتية الوحيدة الآهلة بالسكان وتعتبر ثاني جزر الكويت مساحة بعد جزيرة بوبيان.
وتقوم جزيرة فيلكا على سهل طيني ضحل المياه شكلته رواسب شط العرب، سطحها منبسط فيما عدا بعض التلال المتناثرة، اعلاها «تل شبيجة» في الجهة الجنوبية من الجزيرة، شواطئها رملية ناعمة، مناخها قاري بارد شتاء وحار صيفا، اما فصلا الربيع والخريف فالجو معتدل، هذا وتقل نسبة الغبار في هواء الجزيرة معظم السنة (1).
جزيرة فيلكا عريقة في القدم، وقد اكتشفت فيها آثار تعود إلى عصور ما قبل الميلاد خصوصا العصر الهلينستي «القرن الثالث ق. م.» والذي بلغت فيه فيلكا اوج ازدهارها.
وتنقسم فيلكا الآن من الناحية العمرانية إلى:
-1 فيلكا القديمة:
وتمثلها قرية «الزور» على الساحل الغربي وتمتد من منطقة «البلط» في شمالي الجزيرة وحتى آبار «الممزر» في جنوبها. وقد سكنها الأهالي حوالي عام 1773 بعد ان هجروا قراهم القديمة بسبب الاوبئة. ويمتاز ساحل الزور بطابعه القديم حيث المباني التي يعود تاريخ بناء بعضها إلى بداية هذا القرن.
-2 فيلكا الحديثة:
ويفصلها عن فيلكا القديمة في الوقت الحاضر شارع الميناء الذي يحاذي منطقة «الممزر» التي اشتهرت بآبار المياه العذبة والتي كانت السفن التجارية الكبيرة وسفن الغوص على اللؤلؤ تتزود منها بالمياه قبل سفرها.
وتمتاز فيلكا الحديثة بمبانيها العصرية، وفللها الجميلة وقد انتقلت اليها معظم مرافق الدولة.
وسكان جزيرة فيلكا هم شريحة من شرائح المجتمع الكويتي بعاداته وتقاليده واصالته، ولموقع الجزيرة وعزلتها في الماضي بعض الاثر في حياتهم الاجتماعية والمعيشية خصوصا مجتمع ما قبل النفط.

سكان جزيرة فيلكا القدماء خليط من جنسيات عربية مختلفة، استقروا فيها منذ زمن بعيد، وذلك بحكم موقعها في الممر المائي الذي تسلكه السفن التجارية بين ميناء البصرة وموانئ الخليج العربي والمحيط الهندي، ونظراً لما كانت تمتاز به الجزيرة قديماً من وفرة المياه العذبة والأراضي الخصبة الصالحة للزراعة، وصلاحية شواطئها كملجأ جيد للسفن عند هبوب الرياح وهيجان البحر - كل هذه الأسباب مجتمعة اغرت الكثيرين ممن يترددون عليها من اصحاب السفن التجارية ومن البحارة والتجار بالاستقرار فيها واتخاذها سكناً دائماً لعائلاتهم فبعض العائلات القديمة تنتمي إلى قبائل عربية من نجد في وسط الجزيرة العربية، ومن الاحساء في شرقها، ومن سواحل الإمارات العربية المتحدة.
ونلمس من خلال كتابات الرحالين الاجانب الذين مروا بالجزيرة منذ منتصف القرن الثامن عشر وحتى مطلع القرن العشرين، وصفاً للحياة المعيشية والسكانية لدى اهلها، وذلك من خلال ما مر عليها من احداث أثرت في حياة السكان. وبخاصة الأوبئة التي اجتاحت القرى القديمة وشتت ساكنيها، ولا نستبعد ايضاً تعرضهم إلى مضايقات من قبل الجنود البرتغاليين الذين عاثوا فساداً في المنطقة، لاسيما وهم افراد وسط الجزيرة في عرض البحر. فلهذين السببين وغيرهما هاجرت عائلات كثيرة من فيلكا إلى مناطق مجاورة، وانتقلت البقية الباقية منهم إلى ساحل آخر من سواحل الجزيرة وهو ساحل «الزور» المسكون في الوقت الحاضر وبعد استقرارهم في هذا الساحل وتعميره، بدأت تفد على الجزيرة بعض العائلات من بلدان الخليج المجاورة، ففي منتصف القرن التاسع عشر وصلت إلى الجزيرة عدة عائلات من سواحل الجزيرة العربية ومع بداية هذا القرن ايضاً بدأت الجزيرة تستقبل العديد من العائلات المهاجرة من البحرين وقطر وعمان، وذلك بعد ان توفرت سبل المعيشة في الكويت بسبب ازدهار تجارتها البحرية مثل السفر والغوص على اللؤلؤ والذي بلغ اوج قمته في بداية هذا القرن، مما شجع الكثيرين من عرب الخليج وغيرهم إلى الهجرة إلى الكويت. وقد اقتصرت هجرتهم في البداية على العمل كبحارة على ظهر السفن الكويتية، أو تجار مارسوا مهنتهم في اسواقها.
وبعد تحسن احوالهم المعيشية جلبوا عائلاتهم واستقروا نهائياً في الكويت. وقسم آخر من هؤلاء المهاجرين اتخذ جزيرة فيلكا سكناً، وبخاصة اصحاب السفن التجارية الكبيرة، وذلك لما للجزيرة من مميزات سبق ان ذكرناها، واهمها من الناحية الملاحية صلاحية شواطئها لرسو السفن واحتمائها من العواصف والأخطار. فضلاً عن توفر سبل المعيشة المطلوبة في تلك الأيام، ومنها توفر المياه العذبة وخصوبة الأرض.
ومع قرب منتصف هذا القرن استقبلت الجزيرة عدداً من العائلات من سواحل الجزيرة العربية ايضاً.
الزور
هو الاسم القديم للساحل الغربي للجزيرة. والآهل بالسكان في الوقت الحاضر، ويمتد من منطقة «البُلط» شمالاً وحتى آبار «الممزر» جنوباً، وهناك قولان في معنى تسميته:
الأول... تعريف لغوي نابع من الشكل العام لهذا الساحل، فالزور في اللغة اعلى الصدر وبما ان هذا الجزء من سواحل الجزيرة يمتاز بأنه ساحل رملي عريض بمثابة صدر الجزيرة، فقد اشتق اسمه من هذه الصفة، والقادم إلى الجزيرة يلاحظ هذا.
وهناك قول آخر محلي ربما يكون هو الأرجح يقال ان لفظة «الزور» مشتقة من المزار أو الزيارة. حيث ان هذا الساحل كان وإلى عهد قريب، تقع على امتداد شاطئه اهم مزارات الجزيرة، مثل «مقام الخضر» وقبري سعد وسعيد وقبر شيخ مراد. وكان الأهالي قديماً يقدمون إلى هذه المزارات النذور في مناسبات عديدة. بالاضافة إلى وفود كثيرة تؤمه من إيران وافغانستان واليمن، وبعض البلاد المجاورة سنوياً، فمن خلال هذه الزيارات المتعددة لهذه القبور الواقعة على شاطئه اطلق عليه ساحل الزور أي ساحل الزيارة.
وقد كان هذا الساحل حتى منتصف القرن الثامن عشر خالياً من السكان. حيث ان اهالي فيلكا القدماء كانوا يقطنون القرى المنتشرة في شمال وجنوب وشرق الجزيرة. ومن هذه القرى القديمة «سعيدة» الواقعة في اقصى الشمال من ارض الجزيرة. وكانت عامرة في العصور الإسلامية وتعود تسميتها إلى العصور اليونانية القديمة. ومنطقتا «القرينية والدشت» وتقعان في الشمال الشرقي من قرية سعيدة، ومنطقتا «الصباحية والمطيطة» وتقعان في الجنوب الشرقي من الجزيرة، بالاضافة إلى منطقة «سعد وسعيد» وهي من أولى المناطق التي سكنت ويعود تاريخها إلى عصور ما قبل الميلاد كما دلت الحفريات الأثرية على ذلك. وكذلك منطقة «الحزنة» القريبة منها. اما عن سبب تركهم هذه القرى. وانتقالهم إلى الساحل الحالي فيعود إلى عدة أسباب، اهمها الأوبئة التي اجتاحت المنطقة على فترات وادخلت الرعب في نفوس الناس، وقضت على الكثيرين منهم، وافسدت الزرع والضرع، ولوثت مياه الشرب، فلا بد اذا من ان يفكر الناس في الانتقال من مكان الوباء إلى مكان آخر، ولهذا السبب اختاروا الشريط الساحلي الغربي للجزيرة.
متى انتقل الأهالي
إلى هذا الساحل؟
يمكننا ان نحدد الفترة التي انتقل فيها الأهالي إلى هذا الساحل على وجه التقريب، بالرجوع إلى نص «اللفتنانت فيلكس جونز» وهو من البحرية الهندية وقد زار الجزيرة عام 1839 وكان يحمل معه خارطة لها. وقد كانت زيارته لفيلكا بعد انتهاء آخر وباء فظيع حل بالمنطقة عام 1831 فهو يقول في تقريره عنها: ان فيها ثلاث «مدن» غربية وهي «الطور» ويقصد قرية الزور الساحلية. وشمالية وهي «سعيدي» وشرقية وهي «القرين» ويقصد قرية «القرينية»، الأولى هي المسكونة اليوم، (اشارة إلى قرية الزور) اما الاخريان فقد خلتا من السكان بسبب الوباء الأخير الذي عم المنطقة وتحتوي على 70 - 80 بيتاً وحوالي 150 نسمة.
وأوضح ان زيارة «فيلكس جونز» للجزيرة كانت بعد مرور حوالي ثماني سنوات من وقوع الوباء الأخير الذي اجتاح المنطقة عام 1831. ولا بد ان «فيلكس جونز» قبل ان يدون تقريره استفسر من الأهالي وبخاصة شيخ «فيلكا» الذي يشير في تقريره إلى انه اجتمع به واستفسر منه عن موعد هبوب الرياح. كما انه ركب البحر من الكويت إلى الجزيرة مع احد أصحاب السفن من اهالي الجزيرة. ولا بد انه تناول الحديث معه وكذلك مع باقي الملاحين والركاب الذين كانروا على ظهرها اثناء الرحلة الطويلة وتطرقوا إلى كل ما يهم الجزيرة وما يتعلق بتاريخها الماضي والحاضر، ولا نستبعد ايضاً ان «جونز» كان يتقن اللغة العربية، شأنه شأن الكثيرين من الرحالين والدارسين والعسكريين الذين ترددوا على هذه المنطقة منذ بداية القرن السابع عشر.
ولا بد ان فكرة الانتقال إلى ساحل آخر من سواحل الجزيرة قد راودت الأهالي بعد حدوث الوباء الفظيع الذي اكتسح المنطقة عام 1773، فقد كان هذا الوباء فظيعاً جداً بحيث شرد وقضى على ألوف من الناس، ويمكن ان نعتبر هذا التاريخ هو بداية انتقال الأهالي إلى هذا الساحل، وعندما اكتسح المنطقة الوباء الثاني عام 1831 لم يروا بدا من الانتقال نهائياً عن المناطق الموبوءة إلى ساحل جديد ونظيف. وهذا ما نستشفه من تقرير «فيلكس جونز» عن عدد البيوت في منطقة «الزور» وقت زيارته لها، حيث يقول: ان عدد البيوت لم يتجاوز الثمانين بيتاً، وعدد النفوس حوالي مئة وخمسين نسمة، وهو بالطبع تحديد تقريبي، ولكن العدد كان يتجاوز الرقم الذي ذكره لا سيما انه يقول: بأن عدد البيوت ثمانون بيتاً، فلو افترضنا ان معدل عدد الأفراد في كل بيت ثلاثة على اقل تقدير فإن العدد الاجمالي لا يقل عن 240 نسمة، مما يجعلنا لا نأخذ بالرقم الذي ذكره «جونز» عن عدد سكان الجزيرة وقت زيارته لها.
موقع الزور القديم
عندما انتقل الأهالي إلى ساحل «الزور» سكنوا في بادئ الأمر في المنطقة القريبة من المسجد «الفوكي» الواقع قرب المطينة. ولا تزال آثار بعض البيوت بادية للعيان في هذه المنطقة. وهناك تساؤل من بعض الأهالي عن الفترة التي سكنت هذه المنطقة، وحسب اجتهادي اقول: ان بعض أهالي الجزيرة ممن هجروا قراهم القديمة في بداية القرن التاسع عشر، قطنوا في هذه المنطقة لفترة محدودة واقاموا فيها بيوتاً سكنية وشيدوا أول جامع لهم قبالة هذا الساحل، وهو «المسجد الفوكي اقدم مساجد الجزيرة والذي لا يعرف من بناه ولا تاريخ بنائه احد من الأهالي.
ونظرا لانخفاض هذه المنطقة وقربها من «المطينة» و«القلة» التي تنحدر منها مياه الامطار بشدة في فصل الشتاء، فانها تغدو مستنقعا للمياه التي تغمر بيوت الاهالي ومزارعهم الواقعة في هذه المنطقة المنخفضة، وهذا المشاهد مازال يتكرر في وقتنا الحاضر حين تكون الامطار غزيرة، فان هذه المنطقة تبقى مغمورة بالمياه لفترة طويلة، واعتقد ان هذا هو السبب الرئيسي في ترك الاهالي لبيوتهم في هذه المنطقة وانتقالهم إلى الجزء المحاذي لساحل البحر. ولم يبق من اثارهم الا المسجد الذي شيدوه في بداية استقرارهم في هذا المكان ويعرف اليوم باسم المسجد الفوكي او مسجد الشافعي.
مميزات هذا الساحل
يمتاز ساحل «الزور» عن بقية سواحل الجزيرة بعدة مزايا ومن أجلها اتخذه الاهالي مقرا لهم، بعد ان هجروا قراهم القديمة في بداية القرن التاسع عشر للاسباب التي مر ذكرها واهم هذه المزايا:
1 - موقعه المميز حيث يشكل قاعدة الجزيرة العريضة.
2 - ساحله الرملي المنبسط، والمنفرد عن باقي سواحل الجزيرة بهذه الصفة.
3 - مياهه الصالحة لصيد الاسماك، حيث توجد قبالته اشهر الاماكن البحرية التي عرفت منذ القدم، مثل مناطق «اللقفة» و«الياهية» و«العظلة» و«الضاروب» و«الحد».
وكلها ضمن منطقة «الوكر» الشهيرة بتواجد سمك الزبيدي. .
4 - مواجهته لمدينة الكويت، والتي بدأت تزدهر ابان الفترة التي نزح فيها الاهالي إلى هذا الساحل المقابل لجون الكويت.
5 - صلاحيته لرسو السفن، واحتمائها من هبوب الرياح والامواج، خصوصا رياح «الكوس» فالمنطقة البحرية المقابلة لهذا الشاطئ ملجأ ممتاز للسفن التجارية عند هبوب هذه الرياح.
6 - عمق المياه قرب سواحله، خاصة عند منطقة «اليفرة» المواجهة له، وقد كانت السفن التجارية الكبيرة ترسو عندها قديما.
7 - ندرة وجود صخور بحرية وطمي بكثرة مقابل شواطئه على العكس من الشواطئ الاخرى.
8 - وفرة آبار مياه الشرب قرب هذا الساحل، حيث ان السفن التجارية وسفن الغوص على اللؤلؤ كانت تتزود منها بالمياه اللازمة للشرب، اضافة إلى استهلاك الاهالي لها، ومن اشهر هذه الابار، «العوينة» و«الممزر» و«جريان».
9 - انتظام حركة مياه المد والجزر في منطقة «الوكر» المقابلة، مما يجعل مواعيد تكاثر الاسماك خصوصاً «الزبيدي» المتوفرة بكثرة في هذه المنطقة، مرهونا بانتظام حركة المد والجزر في حركتها طوال الشهر وعليه يرتب الصيادون مواعيد صيدهم وأماكنها على تيرات المياه في حركتها طوال الشهر القمري.
-10 عدم بعد مياه البحر عن هذا الشاطئ كثيرا في حالة الجزر مثل باقي شواطئ الجزيرة.
-11 تواجد اماكن الزيارة «المزارات» على طول هذا الساحل منذ القدم.
ومن اهم هذه المزارات... «مقام الخضر»، قبرا «سعد وسعيد» قبر شيخ «مراد».




الأكثر قراءة
يومي
اسبوعي