يوسف جحجاح / إلى شقيقي اللبناني

تصغير
تكبير
قرأت باهتمام المقالة الأخيرة في جريدة «الراي»، المنشورة بتاريخ 3 مارس 2009، المعنونة «شقيقي السوري» للأستاذ علي الرز. لعل الجملة التي ختمت بها مقالتك أستاذ علي كانت الحافز الأكبر للكتابة إليك، فكأنني بك فقدت الأمل في حوار عاقل ونقاش بناء قد لا يغير شيئاً بالجوهر، كما قلت، لكنه برأيي يطلق شرارة ذلك التغيير. وأظن، وإن بعض الظن إثم، أنك تريد من شقيقك السوري عدم إشغال الفكر والمنطق ولغة العقل، وذلك بتصريحك عدم انتظار الرد، لأنك تعرف ما هو، وأن تجربة خمسة عقود لا يغيرها مقال. مع ذلك كله، فقد اخترت أن أرسل لك رداً رغم أنك تعرف مسبقاً ما هو. ولم لا؟ فهل تريد من الأشقاء اللبنانيين والسوريين أن يتحاوروا عبر المظاهرات والمسيرات هنا وهناك رافعين اللافتات التي تسخر من بعضهم البعض ومرددين شعارات وضعها من وضعها من حلفاء الأمس وأعداء اليوم وربما مرة أخرى، والله أعلم، حلفاء الغد مرة أخرى. هل يجب أن يبقى «الحوار» بين الأشقاء عبر الشتائم والسباب وزرع العداوة والبغضاء بين من تجمعهم روابط التاريخ والجغرافيا؟
في مقالتك، عكست الكثير من الواقع الذي نعيشه في سورية بمختلف جوانبه السياسية والاقتصادية، والتي أوافقك عليها. ولكن في ما يتعلق بالموضوع اللبناني، لعل الصواب جانبك قليلاً. فشقيقك السوري ليس «بعثياً» أكثر من «البعثيين»، بل هو سوري يحب وطنه وهومن أجل ذلك يضع جانباً تحفظاته على الواقعين السياسي والاقتصادي عندما يتعلق الأمر بكرامة وطن. صحيح أن شقيقك السوري يعقد المقارنات بين محاكمة قتلة الرئيس الشهيد رفيق الحريري ومحاكمة مجرمي الحرب في الكيان الصهيوني. فذلك يدعو المرء إلى التشكيك في النية الحقيقية للدول الغربية التي تستخدم العدالة غطاء لغايات أخرى من دون أن يعني ذلك أن شقيقك السوري يرفض العدالة ولا يرد معرفة الحقيقة. الحقيقة التي جعلت وسائل الإعلام يضعون 18 مليون سوري (ومثلهم في المغترب) في خانة القتلة والمجرمين. تلك الحملة التي جعلت بعض اللبنانيين، وأرجو أن يكونوا قلة قليلة، ينكلون بالمقيمين السوريين، كلما حصلت جريمة أو اندلع انفجار سواء بالإهانة المعنوية أو بالاعتداء الجسدي.
ولعلني كمواطن سوري عشت المرحلة التي تلت اغتيال الرئيس رفيق الحريري، رحمه الله، إعلامياً، أستطيع أن اختلف معك في ما يتعلق في أن القيادة السورية لعبت على وتر الوطنية. من المعروف أن السوريين يشاهدون المحطات اللبنانية أكثر من قناتهم الرسمية لعلمهم بأن إعلامنا إعلام موجه. من المضحك ربما يا أستاذ علي أن المحطات اللبنانية هي التي جعلت السوريين ينتفضون لوطنيتهم ويلتفون حول قيادتهم حتى لو كانوا يختلفون معها أو يتحفظون على بعض سياساتها الداخلية. فمشاهدة بعض السياسيين اللبنانيين، وبعض الكتاب، وللأسف بعض «المرتزقة الإعلاميين»، وهم يشتمون ويحرضون ويبثون سمومهم في الإعلام والمناسبات والتظاهرات الشعبية هي التي أوقدت شعلة الوطنية في قلوب السوريين. من هؤلاء الإعلاميين والسياسيين اللبنانيين من يعرف دمشق أكثر من السوريين أنفسهم، ومن هؤلاء من كان يعقد في معقله مهرجانات الدبكة احتفالاً بإعادة انتخاب الرئيس حافظ الأسد، رحمه الله، ومن هؤلاء من كانوا «يقبعون الزفت» عن طريق الشام، كما كان يقول الرئيس إلياس الهراوي، رحمه الله. السوريون ذاكرتهم ليست مثقوبة، كما هي الحال، للأسف، لدى بعض جمهور الزعماء اللبنانيين، أو ربما الأصح القول، زعماء الطوائف والمصالح في لبنان!
بالطبع، يعترف شقيقك السوري بالممارسات الخاطئة للضباط السوريين وعناصر الأمن في لبنان. الجميع يعرف بتلك الممارسات المسيئة لسورية قيادة وشعباً، ومن المؤسف أن آلية للمحاسبة لم تنطلق بعد لمحاسبة هؤلاء على الإساءة لصورة سورية في لبنان. لكن السوريين أيضاً يتذكرون أولئك الجنود الذين ضحوا بحياتهم في لبنان من أجل الحفاظ على التوازن ومنع التقسيم. ولذلك يؤلمهم أن يشاهدوا زعيماً، قاتل الجيش السوري إلى جانبه ضد حليفه اليوم، يطالب من عواصم الغرب الإطاحة بالقيادة السورية وينشد أحداً لاغتيال الرئيس السوري ويطالب بإرسال السيارات المفخخة إلى دمشق. والسؤال هنا: هل تحتاج القيادة السورية للعب على وتر الوطنية من أجل جعل السوريين ينتفضون لوطنيتهم؟ نعم، ربما تستطيع الأجهزة في سورية جمع الحشود، لكن لن تستطيع تجييش العواطف.
كنت أتمنى، كسوري، أن تلعب القيادة السورية على وتر الوطنية وتعمل على التعبئة، كما قلت. كان من الشيق، ربما، أن يعود المرء إلى أرشيف التلفزيون السوري ويشاهد أشرطة الفيديو لرموز حركة 14 آذار، وهم يكيلون المدائح لسورية قيادة وحكومة وجيشاً وشعباً. ربما كان من المفيد نشر محاضر اللقاءات والاجتماعات بين كبار المسؤولين السوريين وبين رموز حركة 14 آذار لكي يعرف السوريون أن هؤلاء لم يكونوا سوى تجار الهيكل. للأسف، لم يلعب الإعلام السوري لعبة التعبئة، وخسرها بفداحة، لكن وسائل الإعلام اللبنانية التي عبأت اللبنانيين ضد أشقائهم بالتاريخ والجغرافيا هي نفسها جعلت السوريين ينقمون، لكن من دون أن يحقدوا على أشقائهم بالتاريخ والجغرافيا. وسائل الإعلام اللبنانية، بعضها طبعاً، هي التي حوّلت ساحة الشهداء من ساحة استشهد فيها مناضلون سوريون ولبنانيون من أجل الحرية من المستبد العثماني إلى ساحة للهتافات الرخيصة والشتائم الوضيعة والشعارات العنصرية التافهة (من الإنصاف هنا توجيه التحية لروح شهيد الصحافة سمير قصير الذي وقف وحيداً ضد هذه الهتافات في ساحة الشهداء وناله ما ناله من الاستهجان). شقيقك السوري لم يحتج إلى حملة تعبئة محلية. فالتهجم على بلده وقيادته ولهجته و«برازقه» الدمشقية الأصيلة كانت كافية لتعبئته عاطفياً ووطنياً.
أضم صوتي إلى صوتك في الحاجة رغم ما حصل وما يحصل وما قد يحصل كله، لا قدر الله، في الحاجة إلى النظر إلى المستقبل بتفاؤل وأمل، وأن تحمل الأعوام المقبلة خيراً للبلدين وللشعبين وأن نتغير جميعاً للأفضل، فتتطور الحياة السياسية والاقتصادية والاجتماعية في سورية ولبنان إيجابياً مع احتفاظ كل بلد بخصوصيته، وأن نتحرر جميعاً من قيود الزعماء السياسيين ومصالحهم الضيقة... جداً، وأن نقيم شراكة لا شركة مساهمة لبعض السياسيين هنا وهناك، ونبني مستقبلاً يليق بنا وبتاريخنا المشترك وعلاقاتنا المتجذرة، تلك العلاقات التي جعلت أجمل ما قيل ببيروت من كلمات من شعر شاعر سوري هو نزار قباني، وأجمل ما غنى لدمشق من غناء سيدة لبنانية عظيمة، هي فيروز.
مع خالص الاحترام والتقدير،
يوسف جحجاح
الأكثر قراءة
يومي
اسبوعي