خطة أوباما بالعودة إلى الديبلوماسية في التعامل مع العالم تفترض نهجاً جديداً لوكالة «التنمية الدولية»

الكونغرس يقيّم مساعدات أميركا الخارجية

تصغير
تكبير
| رنا أبو عمرة * |
تُعتبر «الوكالة الأميركية للتنمية الدولية» الوكالة الأساسية الأميركية المسؤولة عن توظيف القدر الأكبر من المساعدات والمعونات التي تقدمها الولايات المتحدة. وأُنشئت الوكالة في عام 1961 اعتماداً على قانون المساعدات الخارجية، لتوجيه المعونات الى الدول المتضررة من الحرب العالمية الثانية. وفي الآونة الأخيرة ازدادت أهميتها كأداة من أدوات السياسة الخارجية الأميركية. وعادة ما تركز برامج المعونات على مكافحة انتشار الأوبئة والأمراض، ومكافحة الفقر وخفض معدلاته، وتشجيع الاصلاحات الديموقراطية، وتشجيع النمو الاقتصادي. وتعتبر «الوكالة الأميركية للتنمية الدولية» هيئة حكومية فيديرالية مستقلة.
تعتمد الوكالة في الوقت الحالي في تنفيذ برامجها وأنشطتها على رؤية وزارة الخارجية الأميركية لأهداف السياسة الأميركية وأولويتها، ولكن الواقع المعاصر، بمستجداته السلبية والايجابية، الذي يعكس حالة من التداخل وليس التنسيق فيما بين المؤسستين ومؤسسات أخرى عاملة في المجال ذاته، يفرض على «الوكالة الأميركية للتنمية الدولية» اصلاح ذاتها كأولوية مع تولي ادارة أوباما، وكأحد مفاتيح تفعيل البعد التنموي للسياسة الأميركية، لتدارك تداعيات التركيز على القوة الصلدة كأسلوب للسياسة، أو تداعيات استخدام المعونات كأدوات ضغط وليس كأدوات تنموية لتحقيق مصالح سياسية آنية أثناء ولايتي الرئيس السابق بوش.
وفي هذا الاطار قامت اللجنة الفرعية المختصة في التنمية الدولية، والمساعدات الخارجية، والشؤون الاقتصادية، وقضايا حماية البيئة، والتي تتبع لجنة العلاقات الخارجية في مجلس الشيوخ، بتنظيم جلسة استماع تحت عنوان «الوكالة الأميركية للتنمية الدولية في القرن الحادي والعشرين».
وتحدث في تلك الجلسة الأكاديمي في جامعة جورج تاون المتخصص في قضايا الديبلوماسية أندرو ناتسيوس، والذي تحدث عن سبل تفعيل دور المعونات الأجنبية التي تقدمها الولايات المتحدة كأحد أدوات السياسة الخارجية الأميركية بما يحقق أهدافها القومية الدفاعية والديبلوماسية. والأكاديمية في جامعة جورج تاون كارول لانكاستر، ومن مركز التنمية الدولية ستيفن رادليت. ويشترك المتحدثون في أنهم عملوا في برامج تابعة للوكالة، ولهم خبرة عملية في مجال التنمية الدولية.
أوضحت المناقشات أن الأسباب والدوافع وراء تزايد الحرص على تفعيل دور «الوكالة الأميركية للتنمية الدولية» هي دوافع متشابكة، ما يدفع في اتجاه البحث في أسباب تراجع دور الوكالة، وكذلك البحث عن سبل تفعيلها لثلاثة أسباب. أولها: استعادة البعد التنموي للسياسة الخارجية الأميركية باعتباره أحد أهم أركان الأمن القومي الأميركي بجانب الدفاع والديبلوماسية.
وثانيها: الاستجابة لدفع كثير من التيارات الأكاديمية بمفهوم القوة الذكية في اطار اصلاح السياسة الخارجية الأميركية قبل فوز الرئيس أوباما، وبعد تولي الادارة «الديموقراطية» الحكم بما يجعل لديبلوماسية التنمية أولوية متقدمة على الأجندة الأميركية، وثالثها: محاولة لاصلاح بنية سياسة التنمية الأميركية بما يعني اصلاح المؤسسات القائمة العاملة في هذا المجال، والعمل على ابتكار أدوات تنموية تواكب مستجدات الواقع التنموي في العالم، وهو ما سيحفظ للولايات المتحدة مركزها كقوة كبرى تعمل على انجاز مسببات التقدم في الدول، كما كانت راعيته بعد الحرب العالمية الثانية من خلال تبنيها لخطة «مارشال» التي كانت تهدف الى فتح أسواق جديدة للصادرات الأميركية، بجانب كونها أداة لتحقيق الأمن القومي، والاسهام في تحقيق الاستقرار والتقدم والأمن في أوروبا.
طبيعة مرنة للتحديات
انَّ المستجدات التي فرضها واقع ما بعد الحادي عشر من سبتمبر لا تُمثل تهديداً للأمن القومي الأميركي فحسب، بل ان تهديداتها تمتد للأمن والاستقرار الاقليميين والدوليين، والمصالح الأميركية. ولهذه التهديدات طبيعتها غير التقليدية فلا يمكن تحديد مصدرها فهي ذات طبيعة مرنة، وفي الوقت ذاته لها طبيعتها الخادعة بمعنى أن مؤشراتها الآنية لا تعبر عن فعالية الدور الذي تقوم به المنظمات التنموية الأجنبية حتى تتحقق أهداف برامجها وأنشطتها بصورة كاملة. ومن الشواهد حالتا العراق وأفغانستان وهو ما يعني أهمية وضع عامل الزمن في الاعتبار عند تقييم الجهود التنموية بالاضافة الى تعقد العلاقات بين هذه التهديدات، بصورة أكثر أكاديمية فان القدرة على تعميم نتائج برامج التنمية مقيدة نظراً لطبيعة مشاكل التنمية المرتبطة بالبشر، فمثلاً تقييم برامج المنح الدراسية رغم نجاحها أمر في غاية الصعوبة لكونه استثماراً بشريّاً طويل المدى، ويمكن تقسيم التهديدات لقسمين: أولها من منظور التركز الجغرافي للبرامج، والآخر من منظور قضايا التنمية.
يشمل التقسيم الجغرافي أكثر المناطق تعبيراً عن الحاجة الى برامج المعونات وهي مرتبطة طرديّاً بأماكن النزاعات والصراعات المسلحة في العالم لنجد أفغانستان وباكستان، تلك المنطقة التي تقدم تطبيقاً عمليّاً لنظرية الفشل الأمني الاقليمي والقدرة على تصديره عبر الحدود، بالاضافة الى العراق وأفريقيا، وغيرها من المناطق.
أما ما يخص التقسيم الموضوعي نجدُ أن ظاهرة فشل الدول متصدرة لقائمة هذه التهديدات، وذلك لأن مثل هذه الظاهرة تفسر تداخل عوامل عدم الاستقرار السياسي، والاقتصادي، والاجتماعي، والأمني وتشابكها بحيث تضع دولة مصدرة للتهديدات وجاذبة للمعونات ومهدرة لها.
ويمهد تحديد قضايا التهديدات الى تحديد غايات السياسة التنموية الأميركية كما يراها المتحدثون في جلسة الاستماع، والتي شملت عمليات بناء المؤسسات، ودعم البرامج التنموية طويلة المدى، والعمل على حفز مجهودات بناء القدرات، وعمليات بناء الدولة التي تدعم قدرات الدول على بناء المؤسسات العامة والخاصة اللازمة لحفظ النظام والعدالة في المجتمع، والتي تعمل على ما عُرف بالسلع السياسية، كالتعليم والخدمات الصحية وانشاء الطرق، وتشجيع النمو الاقتصادي، وتحسين أداء الحكم بما يعني حماية حقوق الانسان ومبادئ الديموقراطية. فضلاً عن قضية التغير المناخي التي فرضت ذاتها كأحد تهديدات الاستقرار العالمي. هذا بالاضافة الى تطوير البرامج في مجالات التنمية التقليدية.
تأثير سلبي
رصدت اللجنة عدداً من المعوقات التي تعترض السياسة الخارجية ذات البعد التنموي، نجملها في الآتي:
أولاً: المعوقات المرتبطة بالدخل الأميركي. لم تكن القدرة التنموية للسياسة الخارجية الأميركية بمعزل عن الأزمة المالية العالمية سواء بتأثيرها السلبي على قدرة الولايات المتحدة على وضع برامج المعونات طويلة المدى كأولوية على أجندتها، في الأعوام الأولى على الأقل لادارة الرئيس باراك أوباما، أو بتأثيرها السلبي الذي ضاعف من حاجة الدول غير القادرة للمساعدات الخارجية، وبرامج وأنشطة التطوير.
ثانياً: معوقات مرتبطة بالدول المستقبلة. بخلاف تعقد التهديدات، ودوافع تحسين الدور التنموي للقوة الكبرى في العالم، فقد ارتبط الحديث عن المعونات بتحسين قدرة الأنظمة المستقبلة للمساعدات على توظيفها بدرجة أعلى من درجات الشفافية والمحاسبية والفعالية، وهو ما يثير قضية المشروطية السياسية عند تصميم برامج المعونات، وفي الوقت ذاته فثمة تيار متنامٍٍ تزيد قوته بين الدول غير القادرة يميل الى اتِّباع سياسات تحدُّ من الاعتماد المتزايد على المعونات وبرامج المساعدات الأجنبية.
ثالثاً: عدد الفاعلين في مجال التنمية. تنامي عدد الفاعلين في مجال التنمية على المستوى الدولي وداخل الولايات المتحدة سواء من الدول أو من المنظمات الحكومية أو المنظمات غير الحكومية أو قيام بعض الشركات عابرة القوميات بمسؤوليتها الاجتماعية في الدول التي تعمل بها تحت شعار المسؤولية الاجتماعية للقطاع الخاص، هذا بالاضافة الى أن ثمة مسؤولية تنموية ملقاة على عاتق دول الاتحاد الأوروبي كأحد أهم أركان النظام الدولي المعاصر.
رابعاً: توجهات الادارات الأميركية. هناك جوانب ايجابية في ارث الادارة الأميركية السابقة للرئيس بوش تمثلت في زيادتها لحجم الانفاق على المساعدات الأجنبية من 10 مليارات دولار الى 23 مليار دولار، فقد قامت بجذب الاهتمام للقضايا المرتبطة بعلاقة السياسة الخارجية والمساعدات الأجنبية الى أن التطرف في ربط القضيتين السابقتين أدى الى تداخل بين الطبيعة قصيرة المدى لأهداف وزارتي الدفاع والخارجية والطبيعة طويلة المدى لأهداف الوكالة الأميركية للتنمية الدولية، وتشتت مسؤولية توظيف المساعدات بين الأطراف الثلاثة، ولعل الوجه الآخر تمثل في اظهار محدودية قدرات الوكالة الأميركية للتنمية الدولية، وحاجتها الماسة الى الدفع في اتجاه تبني اصلاحات جوهرية لدور الوكالة بما يتطلبه ذلك من جانب اصلاحي تشريعي، وتمويلي، وهيكلي، واداري، وسياسي وعلى مستوى البرامج والشركاء المحليين والاقليميين بما يتناسب والتغير الذي طرأ على طبيعة التهديدات المعاصرة للقرن الحادي والعشرين.
مقترحات
حملت بعض مقترحات المتحدثين في جلسة مجلس الشيوخ بخصوص مستقبل المساعدات الأميركية الخارجية كثيراً من الراديكالية وجاء البعض الآخر من المقترحات على درجة من الواقعية تسمح بتطوير الوضع القائم الآن، الا أنها عموماً شملت جوانب الموضوع كافة، تشريعياً وهيكلياً ومادياً وادارياً، على المستوى الداخلي، وعلى المستوى الخارجي، وجاءت المقترحات كما يلي:
أولاً: دعم التنسيق فيما بين الوكالات والأجهزة الحكومية العاملة في مجال التنمية، فأكثر من عشرين وكالة فيديرالية تعمل على تحقيق أهداف الادارة الأميركية في الخارج، بما قد يؤدي في حالات غير قليلة الى التداخل.
ثانياً: أن يتم يعمل «مجلس الأمن القومي» على تصميم استراتيجية قومية للتنمية الدولية تهدف الى رسم الأهداف، والتنسيق في ما بين المنظمات المختلفة، ووضع أولويات للبرامج والأنشطة والمجالات الضرورية، وأهمية أن تضم عضوية «مجلس الأمن القومي» عضوية رئيس الوكالة الأميركية للتنمية الدولية أو ممثلاً عنها، كي يحضر الاجتماعات التي تناقش قضايا الاقتصاد الدولي، وسيوفر ذلك رؤية عملية تنموية تكون مكملة للأهداف الديبلوماسية والدفاعية للسياسة الأميركية.
ثالثاً: العمل على بناء اتفاق بين أعضاء الحزبين «الجمهوري» و«الديموقراطي» في الكونغرس في شأن ضرورة وأهمية تطوير سياسات وهيكل السياسة الأميركية التنموية، هذا الاتفاق سيسمح بتعديل قانون المساعدات الأجنبية.
بما يسمح وتطوير برامج ومجالات عمل المنظمات العاملة في هذا المجال ليمكنها من مواجهة تهديدات القرن الحادي والعشرين.
رابعاً: تغيير مسمى «الوكالة الأميركية للتنمية الدولية» ليصبح «وكالة الاستثمار التنموي»، بحيث يبرز هذا الاسم المقترح الطابع طويل المدى والمستمر للسياسة الخارجية الأميركية في مجال التنمية، في الوقت الذي مازال اسم الوكالة الحالي يعبر عن طبيعة متطلبات واقع ما بعد الحرب العالمية الثانية والحرب الباردة.
خامساً: فصل التداخل في الاختصاصات بين وزارة الدفاع ووزارة الخارجية والوكالة الأميركية للتنمية الدولية، من ناحية الموازنة والتخطيط، فقضايا التنمية تحتاج الى خبرات وكفاءات متخصصة تختلف عن تلك التي تعمل في مجالات الدفاع أو الديبلوماسية في الوقت الذي يتم فيه منذ عام 2006 تخطيط موازنة الوكالة ورسم سياساتها من قبل وزارة الخارجية، وتحديداً «مكتب المساعدات الأجنبية»، وهو ما عرقل قدرة الوكالة للوفاء بالتزاماتها، فضلاً عن تطوير برامجها وتوسيع نطاقات عملها.
سادساً: زيادة الكفاءة الوظيفية للوكالة الأميركية للتنمية الدولية من خلال زيادة عدد الموظفين وتحسين مهارات الخبراء العاملين فيها.
سابعاً: كما دعا المتحدثون الى منح مزيدٍ من الاستقلالية للوكالة، ودعوا كذلك الى ضرورة العمل على تعزيز القدرة المحاسبية والتقييمية والرقابية على توظيف الوكالة للمبالغ المخصصة لبرامج ومشروعات التنمية، بغية الاستفادة من نجاحات المشاريع، وكذلك اخفاقات برامج ومشاريع أخرى من خلال تأسيس مكتب مستقل لتحقيق مبادئ الشفافية. وعليه، يجب على الولايات المتحدة أن تساند وتنضم الى المبادرة الدولية للتقييم والمراجعة التي تهدف الى دعم مانحي المساعدات الأجنبية من مختلف أنحاء العالم من خلال تقديم المشورات التقنية وتطبيقات الخبرات التنموية لمبادرات متعددة.
ثامناً: تطوير طبيعة الشركاء المحليين للوكالة الأميركية للتنمية الدولية، من خلال تعزيز الشراكات المحلية وتنويعها والاعتماد على شركاء محليين واقليميين غير تقليدين وأكثر انخراطاً في المجتمع بالاضافة الى تبني أساليب مبتكرة للتنمية. وتشمل المقترحات في هذا الصدد تعديل المدى الزمني لعقود الشراكات بحيث تصبح مدة العقد أطول عما هو سائد الآن بما يسمح بانجاز الأهداف طويلة المدى للتنمية بشكل أكفأ وأكثر دواماً.
وتفرض الاتجاهات المنادية باجراء اصلاحات على الوكالة الأميركية للتنمية الدولية تحدياً جديداً أمام ادارة أوباما ووزارة الخارجية تحت قيادة هيلاري كلينتون، لبرهنة قدرتها وميلها لاحداث تغيير هيكلي واسع النطاق لانجاح السياسة الخارجية الأميركية نحو مزيد من المرونة والديبلوماسية الحقيقية على المدى الطويل، وبشكل أكثر واقعية من التصريحات وتبادل الزيارات وابداء مساحات أكبر من التفاهمات على مستوى الخطاب السياسي مع قوى كانت في مرمى الهجوم والانتقاد الأميركي في عهد الرئيس بوش الابن.
* عن «تقرير واشنطن»
الأكثر قراءة
يومي
اسبوعي