وساطة عراقية صامتة بين أميركا وإيران!

مرجعية النجف تريد إبعاد البلد عن الصراع ورئيس الوزراء يسعى لتهدئة الأمور ومنعها من بلوغ الأسوأ

في حال الحرب...لا شك في أن كل حلفاء إيران سيشاركون بالمعركة وليس فقط في العراق

لا يمكن الحصول على إجابة واضحة عما سيكون عليه دور العراق في سيناريو الحرب أو ما يشابه الحرب الأميركية - الإيرانية. فهذا يرتبط بوجود تهديدٍ فعلي، وهذا مستبعد. إلا أن هناك في العراق رأيين يجب مراعاتهما: رأي المرجعية في النجف الأشرف الذي يعكس أيضاً رأي الشارع العراقي، ورأي الحكومة العراقية.
وقال مصدر في النجف لـ«الراي» إن «المرجعية تتمنى أن تكون العلاقة مع الدول الإقليمية، المملكة العربية السعودية والكويت وإيران وتركيا وسورية، ومع المجتمع الدولي، أميركا وأوروبا وبقية العالم، متوازِنةً من دون إعطاء أي امتياز أو تفضيل لبعضهم على البعض في حدود معالم مصلحة العراق وأمنه».
وتؤْمن المرجعية بأن «مصلحة العراق تأتي أولاً، وأن العراق يجب ألا يكون جزءاً من التوتر والصراع بين إيران وأميركا لأنه لا يقوم على إيديولوجية، ولا تهدف أميركا لمهاجمة وضرب شيعة الشرق الأوسط كما لا تهدف لمهاجمة الأضرحة المقدّسة. وبالتالي فإن الصراع قائم على النفوذ ومسألة بيع النفط ومحاصرة إيران. ومن هنا لا ينبغي للعراق أن يقف وسط الصراع ولا أن يلتزم بسياسة أميركا وأهدافها في المنطقة».
وخلال الزيارة الأخيرة للرئيس حسن روحاني، كان السيد علي السيستاني واضحاً بشأن عدم تورّط العراق في مزيد من الحرب على أراضيه وأن العراق لن يكون مسرحاً لتطويق إيران وشعبها، فالعراق قوياً يخدم الشعب ويخدم إيران أيضاً.
وتسير الحكومة العراقية على طريق المرجعية نفسه مُقْتَنْعَةً بأن العراق قد خرج للتوّ من تمرُّد دموي وحرب داخلية منذ العام 2003 أصابت الاقتصاد بشلل. وهذا ما يحاول رئيس الوزراء عادل عبد المهدي إعادة بنائه.
ولا شك في أن عبد المهدي لا ينتمي إلى الأحزاب الرئيسية العراقية القوية التي تتحكّم بالشارع والبرلمان والقوات الأمنية والحكومة. وقد تم اختيار عادل عبد المهدي كمرشح توافقي لإزاحة حزب الدعوة من الحكم (تولّاه منذ 2005). كما أن وجود مثل هكذا رئيس وزراء على رأس الحكومة له سلبياته لأنه يجعله رهينةً أكثر لـ«أحزاب القرش» (القوية). ويحاول رئيس الوزراء إعادة بناء ما هدمته الحرب وهو لا يملك القوة الكافية لمجابهة الأحزاب والمجموعات المسلّحة التي ساهمت في القضاء على «داعش».
وهذه الجماعات ليست جزءاً من الحشد الشعبي، وهذا خطأ شائع تكرره وسائل الإعلام والمحللون والخبراء في شؤون العراق. وعلى الرغم من وجود رجل إيران القوي كنائب للحشد الشعبي، وهو أبو مهدي المهندس، إلا أن الجهاز يتبع رئيس الوزراء. أما شركاء إيران مثل «عصائب أهل الحق» و«حركة النجباء» و«كتائب الإمام علي» و«حزب الله العراق» فقد قاتلوا تحت علم الحشد الشعبي وانفضّوا عند الانتهاء من الحرب وبدء المعركة الانتخابية البرلمانية. إذ ان الدستور العراقي لا يسمح للقوى الأمنية بالمشاركة في الانتخابات. وانفصل عدد كبير من هؤلاء عن تنظيماتهم وانضمّوا إلى وزارتيْ الداخلية والدفاع وبقي عدد منهم داخل «الحشد» الذي أصبح جزءاً من الأجهزة الأمنية تحت إمرة رئيس الوزراء، فيما بقي عدد آخر خارج الحشد ليلتحق بتنظيماته الأساسية.
ولا يتم النظر للمجموعات المسلّحة بشكل إيجابي لأنها تعمل خارج نطاق الدولة. ويعتبرها الناس عبئاً ولكن ضرورياً في الوقت الراهن بسبب الشكوك حول نيات أميركا.
ويتّهم العراق واشنطن باغلاق الحدود مع سورية وبالتالي تأمين منطقة آمنة لحركة «داعش» في المنطقة وقطْع التعاون التجاري مع سورية.
ففي الأشهر الأولى من احتلال داعش للموصل العام 2014، لم تتدخل أميركا لحماية العراق، وهدّد التنظيم بغداد وأربيل لولا تدخل السيد السيستاني ودعْم إيران التسليحي.
وقد أكد الجنرال مايكل فلن، الرئيس السابق لوكالة الدفاع والاستخبارات الأميركية سماح الإدارة الأميركية لداعش بالتوسع والنمو والذهاب إلى سورية تحت أنظار أميركا. وسمح الرئيس دونالد ترامب لداعش بأن ينمو لمدة عام على طول نهر الفرات ومنع الجيش السوري من استعادة أراضيه. وفي يونيو 2018، سمحت أميركا للطائرات الإسرائيلية بقصف الحشد الشعبي على الحدود مقابل داعش وقتل 22 من الحشد. ولغاية اليوم لا تزال القوات الأميركية على الحدود لا تسمح للقوات العراقية بإستعادة كل أراضيها.
لقد أصدرت واشنطن أمراً بإخلاءٍ جزئي لموظّفيها الديبلوماسيين في بغداد والقنصليات في كردستان العراق. ووفق مصادر مطلعة في بغداد، فقد أعرب شركاء إيران في العراق عن استعدادهم للقيام بعمليات لمهاجمة القوات الأميركية والمراكز الديبلوماسية. وتعلم إيران وشركاؤها العراقيون حق المعرفة قدرات أميركا الاعتراضية للاتصالات الهاتفية والحركة العسكرية، ويستخدم هؤلاء هذه المعرفة لتوجيه رسائل إلى أميركا وتخويفها. وبما أن الإدارة الأميركية لا تستطيع تجاهل أي تهديد من خلال معلومات الكترونية وبشرية، فهي تقرر الانسحاب الجزئي لسلامة الأميركيين. وتخدم هذه الإجراءات الأميركية أهداف إيران لجهة أنها تظهّر ما يمكن أن تتوقعه أميركا اذا وقعتْ الحرب وأصبحت الأمور سيئة بالنسبة لإيران. وفي حال الحرب، لا شك في أن كل حلفاء إيران سيشاركون بالمعركة وليس فقط في العراق.
لن تقبل المرجعية ولا الحكومة العراقية بأن تجمع أميركا قواتها داخل الأراضي العراقية لمهاجمة إيران خوزستان أو أي جزء آخَر من إيران، ولن يقبلوا بأن تستخدم إيران العراق كمنصة لإدارة حربها ضدّ أميركا ما دام إعلان الحرب لم يصدر.
ويقوم عبد المهدي بدور وساطة صامتة بين إيران وأميركا لتهدئة الأمور ومنْعها من بلوغ الأسوأ. وسيُبقي العراق حدوده مفتوحة أمام تدفق البضائع الإيرانية، علماً أن العراق يدفع باليورو بدل الدولار وهذا يناسب إيران.
وثمة مَن يرى ان نيات أميركا غير واضحة المعالم لدول الشرق الأوسط بما في ذلك العراق، وان الإدارة الأميركية أثبتت أنها تستطيع التنصل وإلغاء اتفاقاتها (الاتفاق النووي) والبقاء في سورية رغم التصريحات المضادة.
وفي الخلاصة أنه ما دامت إيران لم تشارك في حرب ضد أميركا فإن حلفاءها يستهدفون حلفاء أميركا في المنطقة (الفجيرة وأهداف أرامكو النفطية).
وتتجنب إيران بعناية أي استفزاز عسكري مباشر لسحْب أي عذر لأميركا لمهاجمتها.

مستندات لها علاقة

  • شارك


اقرأ أيضا