الاكتئاب... يبدأ من بيوتكم!

خواطر صعلوك

تنقل لنا الحضارة الصينية هذه المحاورة بين تلميذ ومعلمه، حيث يقول التلميذ الذي جاء منحنياً أمام المعلم: أتوسل إليك أن تهبني تعليمك الرحيم، وتتفضل بأن تريني كيف أستطيع أن أتحرر.
فأجابه المعلم: من الذي قيدك؟
فرد التلميذ: لا أحد...
فأردف المعلم عندئذ: لماذا، وهذه حالك، تطلب مني أن أحررك.
عزيزي القارئ، ما الذي تخبرنا به هذه القصة وما الذي تخفيه عنا؟
إنها تخبرنا بأنك يا تلميذ الحياة تقابل أشخاصاً في الطريق لن يستطيعوا أن يحرروك، طالما أنك مقيد بأفكارك وصورك الذهنية، وما انطبع في الذاكرة نتيجة أمسك، وخيالك المحدود في غدك.
ما الذي تطلبه من الآخرين لكي يخبروك ما عليك أن تخبره أنت لنفسك؟
فعيوبك هي أسلوبك، وخيالك هو خيلك الذي تركبه، وإطلالتك على الحياة هي حجم نافذة وعيك، فلماذا تطلب من الآخرين أن يحرروك... وأنت قيدك؟ فلماذا وهذه حالة يطلب التلميذ من المعلم أن يحرره؟
أما ما لا تخبرنا به القصة فهو أن الوهم يؤثر على سلوكك، حتى لو لم يكن موجوداً، وأن الحقيقة التي غابت عن بصيرتك لن تؤثر في سلوكك حتى وإن كانت أمام بصرك!
ستركض في كل اتجاه لأنك تريد أن ترى انطباعات الآخرين عنك، وتصورهم عن وجودك، فتعتقد أنهم إذا أخبروك بأنك حر أو جميل أو كاتب ممتاز وصديق جيد... فأنت حر وجميل وكاتب ممتاز فعلاً وصديق جيد، من دون أن تعي أن هذه الفكرة في حد ذاتها هي أحد قيودك!
فما الذي تعرفه عن نفسك ولا يعرفه الآخرون عنك؟ وهل تملك النور لكي تكشف عن نفسك بوضوح لكل من تتفاعل معهم... في بيتك وعملك وفي الطريق، مع صديقك وزوجتك، وذلك الرجل الذي يطلب استشارتك، لأننا وببساطة عندما نتحول إلى تجمعات بشرية يلعب أفرادها أدواراً اجتماعية أهم صفاتها عدم التصالح مع الذات وعدم الوضوح والشفافية الروحية، يغرق المجتمع في أمراض لا يشهرها أصحابها، فعلى سبيل المثال، إن نظرة الحيرة والهشاشة والقلق وسوء التغذية التي تبديها عارضة الأزياء أمام المصور وأمام المتابعين لحركتها على المنصة لا تختلف كثيراً عن تلك النظرة التي كانت تبديها الجارية لمالكها في القرون الوسطى، وبينما يعتبرها الجميع عارضة للجمال، تعتبر نفسها أنها معرضة للانهيار!
تخبرنا القصة بالكثير وما لا تخبرنا به أكثر... تماماً كحال الكثيرين حولنا.
فتاة في الثامنة عشرة لا تستطيع أن تبوح لأمها بما تراه في نفسها، وما يحدث معها وعن انطباعاتها تجاه أحداثها اليومية فتدخل في اكتئاب حاد، وأم لا تستطيع أن تبوح لبناتها الثلاث بما تشعر به وتمر به، وشاب يخون زوجته بصمت، وزوجته تعلم بخيانته بصمت، فيذهبان إلى أبعد من ذلك، فيتحدثان حول كل شيء عدا الشيء الوحيد الذي ينبغي أن يتحدثا فيه... فتتكون عوالم سرية مليئة بالكآبة قد يلتقيان فيها هما الاثنان من دون موعد مسبق.
ما هو النضج؟
لا تخبرنا القصة بالإجابة... ولكنها تشير إليها.
النضج هو الإحاطة بما ظهر منك وما ستر فيك، والاستقرار والرضا لما نتج عنه.
ولا يرتبط النضج بمرحلة عمرية أو تصنيف طبقي أو اجتماعي، بل هو حالة إنسانية يحددها السلوك... والنضج ليس مفهوماً فردياً بل هو مفهوم جمعي، فالشخص الناضج في تجمع مع غير الناضجين سيجد تفاعله لا يمثله، سيجد نفسه في سلسلة من التبريرات للمعنى.
عزيزي القارئ، إن العيش في بيوت يفتقر أفرادها إلى القدرة على التعبير عن مشاعرهم تجاه بعضهم البعض، لهي بيوت أشبه بالمقابر، لأن خواطرنا وكلماتنا وتصرفاتنا مهما كانت صغيرة، تنطبع على نحو غير مرئي في نفوس المحيطين بنا، وتنتشر أبعد فأبعد في المكان والزمان دافعة هذا الرجل أو تلك المرأة إلى إما الحسد والاستكبار وإما الاكتئاب... وإما التحرر والتحقق والتوازن النفسي.
فلا عيادات التجميل الجسدية ولا عيادات الدكاترة النفسية، قادرة على تحريرك ما لم تحرر نفسك وخيالك الذي يحمل بيتك... وما لم يذكر فيه اسم الله... أبتر.

moh1alatwan @

مستندات لها علاقة

  • شارك


اقرأ أيضا