العلامة الراحل السيد هاني فحص


العّلامة هاني فحص طوى «حواره مع الوجع» و... رحل

• أغنية «يا قمر مشغرة» لفيروز دفعت الراحل إلى ترك إيران والعودة إلى لبنان
عيون كثيرة نُكست مع غياب «العلامة المضيئة»، العلّامة السيد هاني فحص... في لبنان الذي قال عنه انه «بدعة حضارية من إبداع». في سورية التي ناصر ثورتها الناصعة ضد الديكتاتورية والتطرف الديني. في العراق الذي أَحب معالمه وعلماءه وأعلامه. في فلسطين التي منحها جوارحه فمنحته هويتها، في ايران التي أُخذ بحيوية شعبها نحو التغيير. في مصر التي تَبادَل معها الحوار والشعر... في كل أصقاع العالم العربي المترامي بين اليأس والضوء.

عيون كثيرة نُكست مع غياب «عمامة» الحوار والاعتدال والثقافة والانفتاح... كثيرون «تكاتفوا» على نعيه امس ويحملونه اليوم على أكتافهم، شيعة وسنّة ودروزاً ومسيحيين، علمائيون وعلمانيون، كبارا وبسطاء، شخصيات وأندية وأحزابا وأهالي قرى ومنتديات ورؤساء، عربا وكردا وفرسا وعجما، حناجر وأقلاما وأوراقا وحبرا كثيرا، نسوة ورجالا وصغارا وكهولا، شاشات ومؤتمرات وأسفارا ونهارات ومساءات.

يعود اليوم هاني فحص الى بلدته الجنوبية جبشيت، التي لم تغادر، لا قلبه ولا عقله يوماً، ففي حقولها وبين أزقتها ومع ناسها وفي كنف أشجارها رسم خطواته الاولى نحو تجربة مديدة، من فرح وشقاء، في الحياة والفقه، في الثقافة والسياسة، في الدين والدنيا، في الجرأة والحوار، في القلق الجميل والأسئلة التي لا تنام، في الفهم العميق للانسان والقيم الانسانية.

في التعريف العام ان هاني فحص (1946 - 2014)، رجل دين مسلم شيعي، من رجال الدين القلائل عند الشيعة الذين انخرطوا في العمل الحزبي العلني، أديب وكاتب ومؤلف وناشط في المجتمع المدني، وداعية حوار بين الأديان، ومن أبرز المنظّرين في مجال مقاربة الإسلام لمواضيع الحداثة المطروحة.

ولد «سيد الكلام» في بلدة جبشيت (النبطية)، وتلقى الدراسة الابتدائية في القرية والمتوسطة في مدينة النبطية. تابع دراسته الثانوية ونال شهادة الدروس الثانوية من (الموحدة السورية) كطالب حر. بعدها هاجر إلى النجف (العراق) عام 1963 ودرس في حوزتها الدينية، ونال إجازة (بكالوريوس) في اللغة العربية والعلوم الإسلامية من كلية الفقه في النجف.

عاد من العراق عام 1972 ليستقر في بلدته جبشيت، وكان قد تزوج في سن التاسعة عشرة من السيدة نادية علو وله خمسة أبناء ذكور وابنتان هم: حسن، زيد، مصطفى، بادية وريا.

انتسب العلامة «الفدائي» إلى حركة «فتح» ايام وجودها في لبنان، وهو عضو في المؤتمر الدائم للحوار اللبناني، وكذلك عضو في المجلس الإسلامي الشيعي الأعلى.

ترشّح للانتخابات النيابية الفرعية العام 1974 متحالفا مع كمال جنبلاط، ولكن سرعان ما انسحب من المعركة بسبب اعتراض السيد موسى الصدر آنذاك. ثم عاد وترشح للانتخابات النيابية عام 1992 عن محافظة النبطية ولم يحالفه الحظ.

أشرف على مجلة «النجف» لمدة عام أيام إقامته فيها، ولدى عودته منها مارس عمله الديني إماما لبلدة جبشيت من العام 1972 وحتى العام 1975، وشارك في تأسيس وتفعيل منتدى ادباء جبل عامل مع عدد من الأدباء والشعراء الجنوبيين. كما كان له دور في قيادة انتفاضة مزارعي التبغ المطلبية عام 1972.

ورغم قربه من قيادات حركة فتح في لبنان، لم يتخل عن انتقاداته لدورهم في الحرب الأهلية الداخلية اللبنانية. وعندما بدأت الثورة الإيرانية، عمل عام 1978 على «هندسة» التواصل بين ياسر عرفات والامام آية الله الخميني، وقد زار الخميني في منفاه الباريسي، ورافق ياسر عرفات على الطائرة نفسها التي قصدت إيران بعد أيام من انتصار الثورة الإيرانية ضد الشاه.

وفي العام 1982 سافر إلى إيران مع عائلته وأقام فيها حتى العام 1985، عمل خلالها مستشاراً في مكتب إعلام الحوزة في قم، ومشرفاً على مجلة (الفجر)، كما أقام علاقات مع بعض المراجع فيها مثل الشيخ منتظري وغيره. وأيام وجوده في إيران سافر في بعثات خارجية مع الإيرانيين إلى الغابون ومدغشقر وكينيا والكاميرون في نشاطات تهدف لتسليط الضوء على القدس.

عاد من إيران العام 1985، وقد تخلى بعد هذه التجربة عن أفكاره القومية، وتفرغ للحوار والكتابة والعمل الفكري والثقافي، فأسس مع سمير فرنجية «المؤتمر الدائم للحوار اللبناني»، ويُعتبر من الأعضاء المؤسسين للفريق العربي للحوار الإسلامي المسيحي، وكذلك من المؤسسين «للقاء اللبناني للحوار» وهو عضو في الهيئة الشرعية للمجلس الإسلامي الشيعي الأعلى وكان من المقربين للشيخ محمد مهدي شمس الدين. وكان عضوا في الاتحاد العالمي للعلماء المسلمين واستقال منه بعد المؤتمر الأول وعضوا في أكاديمية أهل البيت في عمان في الأردن، وكذلك في منتدى الوسطية في عمان أيضاً وعضو مجلس إدارة وعضو مجلس أمناء مؤسسة ياسر عرفات الخيرية الثقافية.

للعلامة الراحل هاني فحص ما يقارب الثلاثة عشر كتابا مطبوعاً منها: ماضي لا يمضي، ذكريات ومكونات عراقية، الإمامان الصدر وشمس الدين ذاكرة لغدنا، خطاب القلب، تفاصيل القلب، أوراق من دفتر الولد العاملي، مشروعات أسئلة، في الوحدة والتجزئة، ملاحظات في المنهج، المسرح، كتابات، الحوار في فضاء التوحيد والوحدة، الشيعة والدولة في لبنان، الهوية الثقافية.

وثمة كتب غير مطبوعة له، منها: مرايا، ذاكرة الأمكنة، المعرفة والاختلاف، لبنانيات سياسية، في الوحدة، مقاربات نقدية، الشيعة في لبنان، دروس من الحوار.

وبعد ايام طويلة و«مريرة» مع المرض طوى العلامة «المضيء» حواره مع «الوجع الاخير» و... رحل.

وقبل وداعه، كان العلّامة فحص اودع «الراي» مجموعة من المقالات في الحياة والحوار والنقد والسياسة والدين، وآخرها كان مقالا مطولا بعنوان «الغربة... مِضيَعة النسب» يحكي في الراحل قصته مع الغربة وتجربته في هذا الاطار في إيران خصوصا.

ذكريات النزوح واللجوء والحيرة والحنين إلى الوطن الصعب والعيش الكريم

الغربة... مضيعة النسب



يقول الشاعر المصري نجيب سرور:

«الطير دا مين هشوا؟ عالريح بنى عشو

يا عود ريْحان أخضرْ - والغربة بتحشوا»

في الساعات الأولى لاحتلال الجيش الصهيوني لجنوب لبنان عام 1982 كنت وعدداً من المدعوين اللبنانيين المنوعين، في طريقنا الى طهران لحضور مؤتمر الوحدة، حيث عاد معظمهم بعد الاحتلال، وبقي أفراد أنا منهم، حيث أقمت في طهران بعدما لحقت بي أسرتي، حتى خريف عام 1985.

وكانت رحلة تشرُّدٍ ونزوح أو لجوء خارج حدود الوطن، حصل أثناءها اكتشاف أن كلَّ هويةٍ فيها خصوصيات تكوينية (جينات) تستيقظ عندما تقترب أكثر من الآخر... وتهرُسُكَ، تجعل وطنيتك، لبنانيتك، جنونًا يُشبِه العقل أو عقلاً يُشبِه الجنون. أنت في طهران. شيعي صديق، شريك، مُوقَّر، مُخلِص. وفي لحظةٍ تشعر بالشوق والحاجة إلى الماروني اللبناني، والشيوعي، والكتائبي، والدرزي، والإنجيلي والحنبلي، والقواتي، الذي كان يحمل بندقية على محور في بيروت، ويتربّص حتى يظهر رأس ابن عمك المُقابِل في الصف الآخر، ليقنص واحد منهما الآخر!

واندفعت، مُخلِصًا لإيران، عاملاً في أشدّ مؤسساتها حساسية، في الثقافة والسياسة والإعلام والحوزة الدينية، وحقّقت موقعًا وسمعة محلية وعربية وخارجية، لم تكن لتُتاح لي في بلدي. ولكن شعوري بالغربة كان يتكاثف كلما تقدّمتُ وأنجزتُ، ويتعاظم حنيني إلى كلِّ شيءٍ لبناني، وعربي. واكتشفتُ في لحظة صفاء، أن أهم ما يُميِّز الإيراني، إلى أيِّ جهةٍ انتمى، هو وطنيّته الإيرانية... وتساءلتُ: هل هذا يتنافى مع الدين أو الإسلام؟ لم أجِدْ دليلاً... قد يكون غيري وجد دليلاً، ولكنه اعتبره دليلاً وهو ليس بدليل، لأن مَنْ يستدل به مريض باللاوطنية، مريض بالأُممية، وهي غير الإنسانية، الخادعة والمُراوِغة، والتي لا تنطلي إلا على السُّذَّج. وفي ليلةٍ إيرانية مُثلِجة، قرّرتُ أن أستل هويّتي، بطاقتي اللبنانية، المكتوبة باللغة العربية، من بين أشيائي المهجورة. وفي آخر الليل، أدرت مُؤشِّر الراديو لأسمع أخبار لبنان، ففاجأني صوت فيروز: يا قمر مشغرة. أيقظتُ زوجتي من نومها، وقلت لها: أنا موافق على سفركم، لألحق بكم بعد شهر... وسألتْني عن كلفة السفر، من أين آتي بها؟ ولأنني اشتقت وأعرف أنهم مشتاقون، ولأنني لم أبِعْ شغلي وفكري للإيرانيين، اقترحتُ عليها أن يسافروا برًا، وحينئذ يكون في إمكاني تأمين أجرة الطريق عبر تركيا وسورية من دون أن أستدين من أحد. وسافروا. وأنا أتصوّر أنهم خُلِقوا من جديد، لأنهم عادوا إلى رحمهم، الوطن، وأهلهم. وعندما لحقتُ بهم، وجدتهم في خلْقٍ وخُلقٍ آخر.

وأنا أيضًا أصبحتُ شخصًا آخر. أصبحت لبنانيًا بنكهةٍ عربية ثقافية جامعة، غير عنصرية، تُحِبّ الكردي والأمازيغي والأرمني و... إلخ. قرأتُ تاريخ لبنان الحديث لأستوعب معنى هذا الكيان الذي يُشبِه البدعة الحضارية أو الإبداع الفني. وندمتُ لأنني فوّت بعض الفرص التي أُتيحت لي لأكون في ورشة موسى الصدر، الذي بكّر في فهم التعدُّد اللبناني والشرط المسيحي والعربي والحداثي، وإنْ كنت عوّضتُ لاحقًا، وكثيرًا، معه، وأحببتُ الشعب الإيراني أكثر. أو بمقدار ما كنت أتحرّر من عقدة الولاء للسلطة، كنت أحترم فكرة الدولة الإيرانية، وأُعارِضها بشدةٍ أحيانًا، وأعشق حيويات الشعب الإيراني، الآخر، المُختلِف كثيرًا، من دون أن تكون ضرورة للتراتب (أعلى وأدنى) بين الإيراني والعربي، وإنْ كان من الصعب أن تُقنِع السياسي الإيراني بأنه ليس الأعلى، أو تُقنِع المواطن العربي بأنه ليس الأدنى. والإيراني يعرف بدقةٍ ولؤم أحيانًا، كيف يشغِّل هذه المشاعر لإشباع غروره أو شوفينيته... فيُصِرّ على تسمية العرب: (أعراب)، أو (عربها)، أي جمع غير العاقل، ويُصر على رفع الوضيع ووضع الرفيع، وحصار وجهاء العراقيين وشرفائهم أمنيًا ومعيشيًا، إلى حد تحويلِ تجارٍ كبار او مثقفين مرموقين، إلى فتح (بسطة) في الشوارع الخلفية، في قُم أو طهران أو مشهد، يبيعون فيها، على إسفلت الشارع، علب الكبريت أو الكلينكس، علنًا، ومواد تموينية تنتمي إلى فصيلة السوق السوداء - سوق الفساد والإفساد في زمن الحرب والحصص التموينية - ويُكلِّفون أطفالهم بالوقوف في وجه الشمس الحارقة، لرصد حركة عناصر الأمن، الذين يستولون على ربح اليوم، أو يصطحبون سيِّد قومه إلى السجن، لأيام، ليعود إليه بعد أيام. وقال لي: فلان... وفلان... عاشقو إيران والإمام الرضا والمعصومة، «الغربة مِضيعة للنسب». أدركتُ جزءًا من المعنى فقط لأنني كنت مُدلَّلاً أكثر في طهران. ولكن الشارع الإيراني لم يترُكْ لي أن أهنأ بهذا الدلال السطحي. ولاحظ التاجر أن فارسيتي ضعيفة، فسألني عن جنسيتي، قلت: لبناني. قال: مُقيم أو زائر؟ قلت: مُقيم. قال: لا أُقدِّر أننا في حاجةٍ إليك. كل ما في الأمر أن بعض السياسيين عندنا يُريدون أن يكون لهم أتباع أجانب. فيأتون بكم لتزاحمونا على لقمة عيشنا. لا أُريد أن أبيعك جبنةً ولا لبنًا ولا بصلاً... وكان راتبي يقل بنسبة 10 في المئة عن راتب سائقي، الذي صرفته مع السيارة، لأن سيارات الرئاسة كانت تنقلني إلى عملي. ولم أكن أنا وعائلتي نرى حرجًا في استخدام سيارات النقل العام، أو الأوتوبيس، ومع ذلك كدتُ أشعر بعيون جيراني تأكلني، خصوصًا عندما تذهب زوجتي إلى بائع الخضار وتشتري كمية لا يشتري مثلها الإيراني، لأن لدينا وليمة للأصدقاء، والإيراني يُزيِّن بخله بتسميته (قلة كرم). وتسمع زوجتي كلامًا عن ترفنا على حسابهم... وتتسع حدقاتهم عندما يعرفون أن هذا الغريب المُتطفِّل، لا يدفع إيجار منزله. ويستوقفونني في الشارع، يطلبون مني تدبيرَ منزلٍ مجاني لأحد أبنائهم، أو وظيفة لآخر، أو قطعةَ أرضٍ منحة من الدولة لثالث...

ويومًا، دعاني أحد كبار الإيرانيين إلى إفطارٍ رمضاني في قم. وكان ملخص هذا الإفطار أنه قال لي: أنا أُحِبّك لأنك طيِّب، وطنيتك سوف تقتلك، إذا بقيتَ في إيران، لأنك مهما فعلتَ فلن تشعُرْ بوجودك ولن يمنحوك شرف هذا الشعور. لن يذكروك إلا ليندهشوا بسذاجتك. أنصحك بالعودة إلى بلدك، وأن تتعاون مع كلّ الناس. لا داعي للثورية التي تجعلك تُعادي كميل شمعون، أو تنقطع عن كامل الأسعد. لقد كان الشاه جائرًا، ولكننا لم نصبِحْ عادلين حتى الآن (1984). ولا أدري متى نكون عادلين!!! اذهَبْ إلى أهلك يا سيِّد.

لم أُطِعْه إلا بعد سنتَين. ولكنني ندمتُ. وهو بدوره قاطعني وانسحب حتى من ذاكرتي. ولكنني الآن أذكره بحُبٍّ وحسرة. لقد نبّهني أن الشراكة لها قوانين وحدود، فإذا تعدّيتها هتكت ذاتك ووعيك، ودمّرت بيتك. كل ما عانيته ليس إلا قليلاً أمام ما عاناه العراقيون، المطرودون من بلدهم الحبيب إلى إيران التي أحبّوها، وقدّروا أنها تُحِبّهم، فنبهّتهم أنها تُحِبّ (حالها) أولاً، وما عليهم إلا أن يُحِبّوا (حالهم) وبلدهم وقومهم (أولاً). أما ما عاناه الأفغان، وأفغانستان كانت جزءًا من إيران، وأكثر الأفغان يُتقِنون الفارسية وحدها أو مع غيرها... لم يكن الأفغاني، عالمًا أو مُجاهِدًا أو وجيهًا أو غنيًا أو فقيرًا ذا قيمة، مع حنانٍ شعبي سرعان ما أصبح كرهًا وتكشيرًا وقرفًا وسخرية يومية، إلى أدبٍ في المقامات العليا، مُتطوِّر على نظرةٍ دونية مُدمِّرة واستعلائية.

وعادت بي الذكرى إلى الهجرة الأولى. كنت على يقينٍ من خلال موقعي السياسي، بأن الاجتياح الإسرائيلي للجنوب عام 1978 سيتوقّف على حدود الليطاني، وتبقى قريتي خارجه، ولكن السنوات التي عشناها بين قذيفةٍ وأخرى، وطائرة في الليل وأخرى في النهار، جعلت الجملة العصبية لدى عائلتي، ولديّ، ولدى الجميع، شبه تالفة. والأكثر تلفًا كان أعصاب إحدى ابنتَيّ. لم تُطِقْ أن نبقى في المنزل أو في القرية.

وحملتهم إلى بيروت. مع أُمي ووالدي وشقيقتي... والدي طيلة فترة النزوح الأولى، وما تلاها، لم يعترِفْ بالغربة. استوطن الشرفة، وإبريق الشاي أمامه، وصورة الضيعة في عينيه، وكل ساعة (يا الله خلّينا نروح). كان... هناك... وشركاؤنا في اللجوء، هم مجموعة من الأهل والأصدقاء، كانوا يزوروننا يوميًا ونزورهم، نُحِبّهم ونحترمهم، ويحترموننا، على شيءٍ من التهيُّب، ويُحبّوننا. ثم أخذنا نجلس معًا طيلة يومنا، ونتحدّث في كلّ شيء، يطلع منا ويطلع منهم، ما لم يكن يطلع من كلامٍ وانفعال وهشاشات وضعف، وتصرفات مُحرِجة... ثم أخذنا نتنافس ثم نتصارع، ونزعل ونصوم عن الأكل او عن النوم غضبًا، ويزعلون، ونتنازع على رغيفِ خبزٍ أو علبة سردين، أو كأس شاي... أو المساحة المُخصَّصة للنوم، أو نوع الفراش، أو حصتنا من كلفة التموين، أو نصيبنا من المواد العينية (الإعاشة). ولا أُبالِغ بالقول إن نمط علاقاتي بأهلي وأحبّائي، أُصيب بأعطابٍ بالغة لم أستطِعْ أن أُعالِجها، ولم يستطيعوا أن يُعالِجوا ما أصابهم منها بدورهم.

ثم كانت، بعد زمن، هجرة أو نزوح عام 1993 الداخلي بعد الاجتياح الإسرائيلي، و1996 و2006... ورأيت بعينَيّ فقراء من أهل العفة أُصيبوا بنهم. ونظّموا أنفسهم في شلل عصابات، لسرقة المواد التموينية والحصر والفرش والأغطية، والنقود... والأنكى أنني شاهدت وجهاء ميسورين أسخياء أكثر من إمكاناتهم في قراهم ومنازلهم، رأيتهم أذلاء فارغي العيون، مُستجدين، طمّاعين، يأكلون حرامًا ويعرفون أنه حرام... وقد كانوا يتجنّبون الحلال ولا يأكلون إلا الواجب.

ورأيتهم وقد تصاغروا وفقدوا شيئًا من هيبتهم وعزتهم ولغتهم وسلطتهم الوازنة أمام زوجاتهم وبناتهم وأخواتهم وحفيداتهم وأحفادهم وجيرانهم والعمال الذين يعملون في ورشهم. ويومًا جاءني أبو حسن بشيبته وجلاله... ولكن قميصه بدا على مقدارٍ كبير من الرداءة والرثاثة، لأنه لم يُبدِّلْه ولم يغسِلْه منذ عشرين يومًا، وقد طرّزته بقايا الملح الأبيض، المُتراكِمة نتيجة التعرُّق الدائم وعدم الاستحمام. دمعت عينه. فقلت له: ما بك؟ هل حصل مكروه؟ قال: أكره من مكروه... كان يأوي إلى ظلِّ حائطٍ في المدرسة التي لجأ إليها. بعد الظهر، أخذته غفوة، ولكنه استيقظ على صوت فتى مسرور بما يفعل. قال له بصوتٍ أصابه بالذعر: أنت... فيق... خوذ... اشترِ قنينة ماء. أعطاه ألف ليرة، ومضى ينظر إليه، كأنه شيء. كانت الصدقة، كان الحنان، كان الُحبّ، كان الخير، كان المال، كان الإحسان، كانت الشفقة، قاسية. وكان الماء سُمًّا، وكانت الألف ليرة ألفَ غصةٍ وألفَ شوكةٍ وألف جرح. كان العطش أعذب وأحلى من الري.

وكان الوجيه السوري، الذي يُقيم مآدب الرحمن في شهر رمضان، يجلس في ظل شجرة غوافة في سهل البقاع، عصرًا، في شهر رمضان. سألته زوجته: هل تنتظر أذان المغرب لتفطر؟ ما عنا فطور! قال: أنتظر قطعة من خبزٍ يابسٍ أو طري لأفطر. وبمجرد حصولي عليها، أعتبرها أذانًا ولا أنتظر أذان المُؤذِّن... إن مسجدي هو معدتي. قالت: أَلست جائعًا إلى الوطن وحديقة المنزل وقطتنا السوداء وحفيدك الذي مات بالبرميل، وجارك المقتول من أجل الدين أثناء الصلاة... قال: إذا لم يكن الحاكم الفعلي أو المُفترَض، مواطنًا، فإننا لسنا موعودين إلا بالفاجعة بعد الفاجعة. وعلى طريق ضياع الكرامات والذكريات والأحلام.

لا أظن بأن سوريًا لجأ إلى منزل عمه أو خاله أو خالته أو عمته أو صهره أو ولده أو صغيره، أو أخيه أو أُخته، أو شريكه، أو زميله أو أستاذه أو تلميذه، أو صديقه أو رفيقه في الحزب، أو جاره في صلاة الأحد أو الجمعة، استطاع أن يُحافِظ على توازنه واستقراره وشعوره بالكرامة أكثر من لحظة، لحظة السلام والابتسام والترحيب. ولكنه تراجع بسرعةٍ عندما تسرّب إلى أُذنَيه كلام التبرُّم والضيق، من صديقه أو زوجة صديقه، أثناء نقاشهما، والباب غير موارب تمامًا، واتفاقهما على الترحيب ثم التضييق حتى يبحث عن مكانٍ آخر. وعقّبت الزوجة، قالت: أعطيه مصاري وخلّيه ينقل هو وعائلته. قال: المصاري احنا بحاجة إليها في هذا الوضع الغامض. أنا مش مجبور فيه وبعيالو. رح أعطيه كلّ ما بقي من دين له عليّ... وأنت تتكفّلي بإخراجه بلطفك وحكمتك.

إذا كان المُستضيفون من الطبقة المتوسطة، فالعلاقة تتراوح بين الإهانة والاحترام التعويضي يوميًا. وإذا كانوا من الفقراء تراجع الاحترام لصالح المحبّة التي تعود لتُفقَد بسبب الفقر. أما إذا كان المُستضيف غنيًا، وهو لا يفعلها إلا نادرًا، فإن اللاجئ السوري وغيره، سوف يشتاق إلى الحاكم المُستبِدّ أو المُعارِض الرقيع، فضلاً عن المُعارِض الرفيع، لأن الغني إذا أشبع الجسد سلب الروح!

الأهل... الوطن... وقروح الغربة

يشتعل بدر شاكر السيّاب شوقًا إلى العراق، وهو ينام أو لا ينام ويصحو او لا يصحو، على مقربةٍ منه في الكويت، على مرمى القلب والحزن والشعر، وبعدٍ بعيد بسبب الاستبداد والفساد. ويتضاعف الألم عندما يُضطَّر السيّاب، الذي لا يُحسِن عملاً يدويًا، إلى ان يقتات على صدقاتٍ مُنغِّصة من عمالٍ فقراء، يُشفِقون ويحترمونه، لأنه عاطل عن العمل، لأنه ضيّع نسبه وأدبه في الغربة، فيصرخ:

الشمس أجمل في بلادي من سواها، والظلامْ

حتى الظلامْ، هناك أجمل فهو يحتضن العراقْ

واحسرتاه متى أنامْ، فأُحِسّ أن على الوسادة،

من ليلك الصيفي طلاً فيه عطرك يا عراقْ؟

بين القرى المُتهيِّبات خطاي

والمدن الغريبةْ، غنّيت تربتك الحبيبة،

وحملتها فأنا المسيح يجرّ في المنفى صليبه

ما زلت أضرب، مُترِب القدمَين أشعث، تحت الشموس الأجنبية، مُتخافِق الأطمار، أبسط بالسؤال يدًا نديّة، صفراء من ذُلٍّ وحمَّى، ذُلِّ شحاذٍ غريبِ، بين العيون الأجنبية، بين احتقارٍ وازورار أو (خطيه)، والموت أهون من (خطيه)، من ذلك الإشفاق تعصره العيون الأجنبيةْ، قطرات ماء، معدنية!... فلتنطفي يا أنتِ، يا قطراتُ، يا دمُ، يا نقودْ... يا ريحُ، يا إبرًا تخيط لي الشراعَ، متى أعود، إلى العراق متى أعود؟

والشام. «شآم أهلوك أحبابي وموعدنا أواخر الصيف آن الكرم يُعتصَر». و«سائليني حين عطّرت السلام، كيف غار الورد واعتلّ الخُزام؟»

و«أنا لو رحت أستجدي الشذى لانتشى لبنان عطرًا يا شآم

رُدَّ لي من صبوتي يا بردى ذكريات زرن في ليَّا قوام

لحظة ارتاح لنا الحورُ فلا غصن إلا شجٍ أو مُستهام

وتهادى الضوء إلا نجمة سهرت تطفي أوامًا بأُوام» - سعيد عقل.

ومن نزار قباني:

فرشت فوق ثراكِ الطاهر الهُدُبا

فيا دمشق لماذا نبدأ العتبا؟

حبيبتي أنت، فاستلقي كأغنيةٍ

على ذراعي ولا تستشعري التعبا.

ومن زهير بن أبي سُلمى:

فقرِّي في بلادك إن قومًا

متى تدعوا بلادهم يهونوا.

ومن المجنون:

سقى الغيث المجيد بلاد قومي

وإنْ خلت الديار وإنْ بلينا.

«بكى أُحُدٍ لما تحمّل أهله»- المقصود جبل أُحُد في مكة.

ومن الحسن البصري القيرواني:

أصبحت في غربتي لولا مكاتمتي

بكتني الأرض فيها والسماوات.

ومن عمارة اليمني:

خوضًا إلى الوطن البعيد جوانحي

إن القلوب مواطن الأوطان.

ومن الشريف الرضي:

تلفّتت عيني ومذ خفيت

عني الطول تلفّت القلب.

ومن عوف الخزاعي:

أَفي كلِّ عامٍ غربةٌ ونزوحُ؟

ومن وجيهة بنت أوس:

فما لي إذا أحببت أهل عشيرتي

وأبغضت طرفاء القصيبة من ذنب.

يا غايبين ارجعوا الدهر جاري... وشمس العمر مالت عالغياب.

بلادي وإنْ جارت عليَّ عزيزة

وأهلي وإن ضنوا عليَّ كرامُ.

يكضن ورد يا ديرتي لحسنك وموتَنْ عالتبنْ... شوقي إلك شوق القطا التايه موعات الدِّهِنْ.

الوطن، القيمة، العزة،الشهامة، المحبة، الكرامة، المكان بالمكين، والمكين بالمكان، الذاكرة في الأحلام، والأحلام في الذاكرة.

من قاسيون أطلّ يا وطني

فأرى دمشق تعانق الشهبا

بغداد ما اشتبكت عليكِ الأعصرُ

إلا ذوت ووريق عمرك أخضرُ.

وبيروت من ذهب... بيروت من تعب. ارجعي يا بيروت، بترجع الأيام. «بيروت ما ذرفت عيونك دمعةً إلا تلقّفها فؤادي المُغرَمُ».

وحقّق عبد الرحمن الداخل (صقر قريش) حلمه في الأندلس وعالج جراحه من مجزرة أبي العباس السفاح لأهله في بغداد. ولكن جرحًا لم يستطِعْ على ما وصل إليه من مجد، أن يُعالِجه أو أن يُخفِّف لذعه: جرح الفراق، الذي يزيده الفقر فقرًا، ولا يُخفِّف منه الجاه والغنى والسلطة، وقال:

«إن جسمي ومالكيه بأرضٍ وفؤادي ومالكيه بأرضِ.

فماذا يصنع السوري الأصلي، ابن محردة ووادي النصارى، المواطن السوري الأول، من أوغاريت إلى إبلا، إلى بصرى إلى معلولة؟ ماذا يصنع الأصلي إذا حلّ محلّه الطارئ أو الغريب، وصار الاحتلال بديلاً من المواطنة؟ ماذا يصنع أهل تلكيف في نينوى؟ ماذا يفعل الخوري في يبرود، وقد قال لي إن أحلى مأدبةٍ يُقيمها في الأنطش، هي المأدبة الرمضانية، تمامًا كما يفعل البطريرك ساكو كلَّ رمضانٍ في الموصل وفي بغداد؟ ماذا نقول لهم؟ نقول: نُصلِّي، لأن الأصلي أصلي والطارئ طارئ، ومصير الغربة أن تصبح حضورًا ومصير الحضور الدميم والقبيح أن يصبح غربة قاتلة. الله والتاريخ يُعاقِبان. أما أمثولتنا، فهي ابن مريم الذي شبع من غربته، فأشبعنا حضورًا، ومحمد بن عبد الله الذي حُوصِر في شعاب مكة مع أصحابه، ثم اضطُّرّإلى الهجرة، فحوّل الهجرة حضورًا مُكثَّفًا وأرسل اصحابه المهددين بسبب إسلامهم الى الحبشة آمنين في ظل السلطان المسيحي العادل (النجاشي)... أيها الغرباء، المُقيمون في بلادكم هم الغرباء، ولكن لا يشعرون ولا يستحون.

ذكرى الغربة والنُزوح واللجوء والحيرة والحنين إلى الوطن الصعب والعيش الكريم، أسّسنا عليها اللجوء الفلسطيني، الذي اقتحم طفولتنا وكان من أسباب حيرتنا وحسرتنا. لم تكن منازلنا مُجهَّزة لحر الصيف ولا برد الشتاء، ولكن كانت لها أبواب، ونوافذ تُقفَل، ونأمن وراءها. أما هم، فقد أقاموا في بناء المدرسة قيد الإعداد، وسدّوا الشبابيك بالبلاّن الذي يستر قليلاً ولا يقوى على شيءٍ عندما تهبّ رياح الشتاء ولا الربيع. وكنا نراهم أطفالاً مذهولين وكهولاً صامتين. كانت بيوتهم مضافات، فأصبحوا يبحثون من الفجر إلى النجر عن وجبة، ولم يُفلِحوا، فاكتفوا بإعاشة الأونروا. ثم قرّروا أن يتوقفوا عن العودة إلى بيارات الليمون والموز، وأن يعملوا في حقول القمح وبساتين البرتقال بالأجرة اليومية، حفظًا لماء الوجه وحاجات الروح والجسد. وأبلَوا بلاءً حسنًا. كدحوا، وبقي الوطن في تفاصيل حياتهم. وبقي الصهاينة يُلاحِقونه. وظلّوا يُخطئون ونُخطئ معهم. وأصرّ بعضهم على تقديمِ أمثولةٍ في العزة. كان أبو كامل من أهل هونين وجيهًا ومنزله مفتوح ليل نهار للضيوف وأهل الحاجات وأهل الحل والعقد. وقسم غرفته التنكية الطويلة بين العائلة والبقرة. وجلس إلى آخر عمره أمام الموقد ودلّة القهوة، مُرتدِيًا ثياب الوجاهة القديمة الحائل لونها مع الكوفية الباهتة لطول استعمالها ذاتها والعقال ذاته والوفاء والحكمة ذاتهما.

مستندات لها علاقة

  • شارك


اقرأ أيضا