من شيخك؟... أمي رحمها الله

خواطر صعلوك

في غرفة صغيرة تتناثر فيها أكثر من ثلاثين قطعة قماش هنا وهناك، كانت الأم تجلس خلف ماكينة خياطة من إنتاج السبعينات، ولا تجيد القراءة والكتابة لكي تقرأ العبارة الصغيرة المحفورة على القاعدة الخشبية «صنع في اليابان».
أما الشاب ذو 35 عاماً والذي يقف أمامها وهو يتردد بين جدار الغرفة ذهاباً وإياباً وكأنه بندول ساعة حائرة، وعلى إيقاع غرس الخيوط في قطع القماش، والحاصل على درجة الماجستير في تعليم الرياضيات في جامعة فلوريدا فكان يفكر في أمثلة تعكس علاقة الرياضيات في الحياة اليومية للبشر، وكيف يمكن اتباع أساليب تعليمية أصيلة، وكان يقول في نفسه:
- إنني فتشت في الكتب والمجلات الدورية، والمقالات الأكاديمية التربوية... ولكنني لم أجد شيئاً!
ولأن الإنسان يحتاج إلى الكثير من الجرأة والشجاعة، لكي يلاحظ ما يقع تحت أنفه أو أمامه، فقد لاحظ الشاب ملاحظة دقيقة غيّرت حياته كلها، وأحدثت أكبر هزة أثرت في مسيرته الفكرية والمهنية فيما بعد... لقد لاحظ «أمه».
لقد اكتشف رياضيات أمه، التي كانت أمية تماماً، حيث لاحظ أن أمه ولمئات بل آلاف المرات تبدأ بقطعة قماش مستطيلة الشكل في الصباح، تحضرها لها إحدى النساء لتخيط لها ملبساً، فتصبح تلك القطعة مع الظهيرة أكثر من ثلاثين قطعة متناثرة في أنحاء الغرفة، ثم لا تلبث أن تجمعها في المساء لتصبح مرة أخرى قطعة واحدة، ولكن هذه المرة يأخذ شكل الملبس الجميل المطابق لجسم المرأة التي أحضرت القطعة في الصباح!
إن هذه الملاحظة جعلت الشاب يعيد تعريف مفاهيم كثيرة في رأسه حول التعليم، والتنمية والتقدم والمدرسة والتحرر... وأصبحت إجابة سؤاله:
- كيف تنعكس الرياضيات في حياتنا، وما هي الأمثلة اليومية التي تعكسها؟ وكيف لأمي أن تمارس الرياضيات بهذا الشكل؟
أصبح السؤال واضحاً في رأسه، يفجر آلاف من الإجابات غير المُقولبة والمُنمذجة.
كبر الشاب أكثر... وتواضع أكثر للعلم الموجود حوله في كل مكان وفي كل ذرة... وفي كل أم.
وتساءل عن تلك الأم التي تقف أمامنا دائماً من دون أن نلاحظها... نعطيها الخضار فتحوله طبخة، ونعطيها القماش فتحوله ملبساً، ونعطيها الطحين فتحوله خبزاً، ونعطيها مصروف البيت فتمارس عملية اقتصادية ترتبك أمامها علوم الإدارة المكتبية، ونعطيها الحب فتكون لنا أسرة، ونعطيها الثقة فتصنع منا رجالاً عظماء.
كبر الشاب أكثر... وتواضع أكثر، وفي عام 1988 قدم رسالة الدكتوراه في جامعة هارفارد العريقة، حول الأساليب التعليمية والتربوية، ووضع من ضمن مصادر رسالة الدكتوراه، اسم أمه... ولكن اللجنة الأكاديمية اعترضت وتقافزت على كراسيها، إذ كيف تكون الأم مصدراً علمياً في رسالة دكتوراه، ومما زاد تعجبهم أكثر عندما لاحظوا أن المصدر الثاني في الرسالة هو «ديك أمي» حيث إن الشاب تعلم منه أيضاً الكثير، فقط لأنه تعلم الإنصات لكل شيء حوله.
في النهاية وافقت اللجنة على اعتبار الأم مصدراً تربوياً في الرسالة، على أن يتم استبعاد الديك من قائمة المصادر ووضعه في قائمة المطاعم... وهكذا حصل منير فاشة على الدكتوراه... وياله من رجل عظيم في مجال التربية والتعليم، وربما في القادم من الأيام أكتب عن أهم أفكاره وآرائه التربوية.
أعزائي القراء، الشباب والشابات تحديداً، لا تضيعوا فرصة ثمينة للتعلم من الكبار الذين مارسوا الحياة باسم الله، واكتشاف البركة التي تتخلل علومهم وحكاياتهم، وبالتأكيد ستتعلمون الكثير جداً، ليس فقط من أمهاتكم إذا أنصتم ولاحظتم مستعينين بالنباهة والاستحضار، بل أيضاً ستتعلمون من «ديك أمهاتكم» إذا كان لديكم النباهة و لديهن ديكة! تماماً كما حدث مع الأستاذ منير فاشة الذي لم يتوانَ للحظة في أن يتعلم من ذلك... فتغيرت حياته كلها.
من المؤسف حقاً أن نشاهد أبناء يعتبرون الأم الموجودة بينهم مثل الموسيقى التي ليست لها وجود إلا لحظة عزفها، من دون أن ينتبهوا للحظة لا تكون الأم فيها موجودة وتتحول إلى موسيقى لها وجود مستقل ومستمر في عقول وقلوب الناس بعد رحيلها.

@moh1alatwan

مستندات لها علاقة

  • شارك


اقرأ أيضا