ذات الرداء الأحمر

رواق

كلنا نعرفها، ليلى التي التهمها الذئب، بعد أن تنكّر في ثياب جدتها، وسرق معطفها الأحمر، لكنها ليست المقصودة هنا، فليس كل من ارتدت معطفاً أحمر: ليلى!
وللأمانة شخصياً لا أعرف إن كانت حكاية ليلى والذئب حقيقية أم صنيعة الإعلام، لكنني أعرف أن الإعلام صناعة، وعلم وفن ودراسة، وأول دروس الإعلام: التواصل وهو قائم على ثلاثة عناصر: المتلقي والمرسل والرسالة، يسعى المرسل لتوصيل رسالته للمتلقي، وأن آلية التوصيل تنقسم إلى نوعين: تواصل لفظي وتواصل غير لفظي، للأول نسبة عشرين في المئة فقط، وللثاني نسبة ثمانين في المئة... تصوّروا!
ما المناسبة التي دفعتني لتذكّر مقرر «مدخل في علم الاتصال»، وتلخيصه في مدخل مقال هنا؟ لدى متابعة استجواب وزيرة الشؤون الاجتماعية والعمل الدكتورة غدير أسيري، عدت بذاكرتي إلى نحو عشرين عاماً إلى المقرر الإعلامي الذي جمعنا معاً، ولأنها تعلّمت وصارت دكتورة وعملت وصارت وزيرة، وأنا لا درست ولا عملت بقي الدرس الأول في ذاكرتي، رغم أنه غاب عن ذاكرتها المزدحمة بالتفاصيل.
هل قلت متابعة؟ كانت محاولة باءت بالفشل قبل أن تبدأ، أقصد المتابعة، منذ دخولها مبنى مجلس الأمة بإطلالة نارية حمراء، قد يتهمني أحد بالسخافة والتفاهة العربية في الانشغال بالشكل عن المضمون، لكنني استرجعت الإعلام البريطاني العريق ومناقشته إطلالات المرأة الحديدية رئيسة وزراء بريطانيا السابقة مارغريت تاتشر، وكيف كانت «بروشاتها» أهم من تصريحاتها بل تتسق معها، إي والله، وتذكّرت الفنانة سعاد عبدالله عندما شاركت في الليلة المحمدية في الغزو، وكيف كانت المشاركة مشروطة بارتداء لون من ألوان الأرض، والتجرد من جميع الحلي والإكسسوارت لكسب تعاطف المجتمع العربي مع قضية الكويت العادلة.
اللبس أول رسالة غير لفظية تليها حركة اليدين، وهما اللذان يدفعان بالمشاهد إلى رفع الصوت أو وضع الشاشة على وضع «الميوت»، هذا اذا كان المتحدث «كيوت»، يلي ذلك نبرة الصوت، فالكلمات القوية والمؤثرة تقال بصوت واضح كي تسمع، أما الصراخ فللموجوع العاجز عن احتمال آلامه أو معالجتها، طبعاً هذه كلها قواعد عامة لا شأن لمعالي الوزيرة غدير بها.
نرجع إلى إطلالة معالي الوزيرة التي اختارتها نارية لتفتح النار على مهاجميها بقتالهم، كفى الله المؤمنين القتال، لم تكن مستعدة لإقناعهم ولا إقناعنا ولا كسب تعاطف أحد، بل على العكس ناصبتهم العداء بارتداء الأحمر عملاً بمقولة: قابل أعداءك بالأحمر.. وطبعا «مش أنا اللي بقول» بل علم الإعلام الذي درسناه معاً إن لم تخني الذاكرة.
تذكّرت دعاة الترفع عن الشكليات والتركيز على المضمون، الذين أعادوني إلى مضمون الاستجواب، من دون تقييم، ومسبباته، التغريدة اليتيمة، المنسوبة، وهذا موضوع آخر يتأرجح بين النفي والإنكار والإقرار الذي لم نعرف له قرار، المهم أن التغريدة تتناول مملكة البحرين العزيزة ذات العلم الأحمر وارتداء لون علمها يعطي رسالة ملتبسة، أعرف أني ذهبت بعيداً لكن وظيفة الإعلام الذهاب إلى أبعد متلقٍ لإقناعه لا خسارة القريب قبل البعيد!
الخلاصة لم أتمكن من متابعة الاستجواب، لحمرته الشديدة، وحين أغلقت عيني وفتحت أذني سمعت جملة واحدة، هذا من أقصر الاستجوابات التي مرت عليّ، ولا أعرف لماذا قالتها بصوت عال جداً دفعني لغلق أذني مثل عيني، لكنني تمنيت ألا تكون من أقصر الوزيرات عمراً في الوزارة على الأقل، كي لا ينتظرها المصير التاريخي الذي انتظر ذات الرداء الأحمر فيأكلها «الذيب»!
والمقصود بالذيب هنا الاستجواب الذي أكل وزراء بعيداً عن معايير تقييم الأداء الكثيرة ووفق معيار وحيد: القدرة على التواصل يوم الاستجواب إن ضيعها الوزير ضاع معها، كفانا الله جميعاً شر الضياع.

مستندات لها علاقة

  • شارك


اقرأ أيضا