رشة عطر... في وجه الحركة النسوية!

خواطر صعلوك

السيدة الفاضلة التي تقف أمامي الآن...
تحية طيبة مليئة بدهن العود والعطور الفرنسية غير المقلدة، التي تعرضينها للبيع على المارة، لعل أحدهم عندما يجن عليه الليل يشم في يده ما رششتي، فيتذكره قبل أن ينام، أو يتذكرك فيأتي ويشتريها من الغد.
مرحبا يا بائعة العطر...
اروي لي مشاعرك عندما يتم تجاهلك تماماً مع ابتسامة مصطنعة من زبون معه زوجته، خشى أن ينكسر وهو ينظر إليك، احكي لي فأنا مستمع جيد أنسى بسرعة ما قيل لي.
ملامحك تقول إنك عربية... وعربية تعني الاشتراك في اللغة والعادات والتقاليد والتاريخ المشترك... وغالباً في الدين.
لا شك أنك ستعودين اليوم إلى بيتك متعبة تشعرين بالألم في كل مسامات جسدك وباطن قدميك ووجهك الفاتن، الذي تم نهشه من عيون المتزوجين والعزاب والبالغين والمراهقين الباحثين عن الحلم، ولنضف اليوم إليهم كاتباً قرر أن يتوقف عند محطتك التي تكون عادة للعابرين فقط.
بالتأكيد ستعودين متعبة خصوصاً أنك تقفين على قدميك طالما أن الشمس لم تغادر كبد السماء، من أجلك يا سيدتي كتبت الحركات النسوية تقارير وإحصائيات ودراسات عن كيفية جعلك في مقدمة الحاضر، بدلاً من كونك في مؤخرة عيادات التجميل.
أتساءل ما إذا كان أحد آلاف الوجوه التي تمر عليك في اليوم يطاردك في أحلامك، أم أن لديك القدرة على التحكم؟
شاهدت فيلماً يا سيدتي يحكي عن بعض القبائل التي بزغت قبل تاريخ البشرية الحديث، وانتهت مع بداية صناعة البارود، لاحظت أنها كانت تقدر المرأة للدرجة التي جعلتها تأمها في صلاتها للطوطم، ولا تسأليني عن معنى الطوطم... هي فقط كلمة تشير للغيب.
وحكى لي صديقي عن قبيلة في اليمن جعلت دية المرأة عندهم بـ11 رجلاً من الآخرين، وأردت أن أقول لهذه القبائل المتخلفة أننا أكثر تحضرا منكم فلقد وضعنا للمرأة حقوقاً تسمح لها أن تظهر بكامل جسدها في إعلان شفرات الحلاقة للرجال، وأن تبدو فاتنة جداً وهي تسند ظهرها في إعلان اطارات السيارات الرياضية، وبأننا نجحنا...! وحولناها إلى عارضة آلية ترش العطر على العابرين مع ابتسامة مصطنعة.
لا شك أن هذا شأن لا يعنيني أو يعنيك، كم راتبك يا سيدتي؟ هل تأخذين عمولة على البيع؟ هل كان في الإعلان عن الوظيفة شرط الجمال والجسم الرشيق؟
لا يا عزيزتي... لن أقول لك «انت درة يجب أن تجلس في البيت»، ولكنك أيضا لست «منيكان متنقل يشارك في كرنفال يومي يهدر إنسانيتك».
هل شاهدت هذا الشاب الذي مر أمامك الآن، يحمل على ظهره إعلاناً لإحدى شركات الاتصالات ويتجول به، هو أيضا منيكان متنقل!
لا شك أن الخطاب النسوي قد أسقط أمثالك من حساباته، فكم عدد الدعابات التي يلقيها الآخرون عليك من دون أن تضحكك؟ وكم عدد خفيفي الظل الذين لا رغبة لهم في الحياة سوى التسكع وإثقال كاهلك؟ وكم زجاجة عطر عليك أن تفرغيها على الأيادي الممدودة قبل أن تستنزفي كل ما فيك؟
حسنا... دعك من كل هذا! ربما بالغت قليلاً.
في المنعطف الأخير من المجمع التجاري - الذي تعملين فيه - هناك امرأة أخرى تزاحمك الأيادي الممدوة، والزبائن المارين إلى وجهتهم... هل تعرفينها؟ هل تشعرين بما هو مشترك بينك وبينها؟
إنكما لم تكونا يوماً مقصداً أو جهة يأملها أحد، أنتما في الطريق مصادفة، وربما لو انعطف ذلك الرجل إلى جهة اليسار قليلاً لما لاحظ وجودكما أمام المحل الكبير الذي قرر أن يجعلكما امتدادا لبضاعة معروضة تحت مسمى «مطلوب بائعة حسنة المظهر ورشيقة الجسد».
منذ شهرين احتفلت البشرية باليوم العالمي للاعتذار، وأردت أن أعتذر لك لأني جعلتك مادة أتاجر بها من أجل الكتابة، تماماً كما تاجرت بك الحضارة الحديثة التي رفعت شعار«اكسري الطوطم وتحرري... فالحديقة أجمل من دون التفكير في القوى الخفية التي تقف خلف أغصانها».
في الواقع لقد تاجرنا في كل شيء، في الحديقة وفي إنسانيتك، وفي الطوطم نفسه.


@Moh1alatwan.

مستندات لها علاقة

  • شارك


اقرأ أيضا