«مثقفيستا»...

رواق

اختلفت صباح كتابة هذا المقال مع زميل حول صدمته من عدم قراءتي كتاباً مهماً، قرأه في النصف الأول من الثمانينات وهو المولود في نهاية السبعينات!
بدأ الخلاف بجملة شائعة ترددت كثيرا مفادها: «كنت أعتبرج مثقفة طلعتي مو قارية كتاب (...)!»
سألته: هل تقاس الثقافة بكمية الكتب التي قرأتها؟ أجاب: بل بالكيف، فأجبته: كيف؟ ولا يخفى عليكم أنه تمنى لو لم يقل جملته لكثرة ما أمطرته بالهجوم حتى ظن نفسه مسؤولاً عن الاحتباس الحراري، طيب تعرف يعني إيه احتباس حراري يا مثقف بلاش احتباس، تعرف أغنية أمي مسافرة وحعمل حفلة؟ والا وأنا ويايا بعيش عيشة المليونيرات؟ بينما كان يجيب هو: شكو الثقافة بالأغاني قال زميله: انا أعرف الأغنيتين فهل أعتبر مثقفاً؟
مشكلة الثقافة أن لا تعريف جامعا شاملا لها فالثقافة سلوك لا يقاس بعدد الكتب التي قرأتها، بل ربما تكون مثقفاً بلا كتب ومصدر ثقافتك الجرائد ورزنامة العجيري وبرامج التلفزيون، وحتى حكاوي القهاوي أو دردشة عابرة مع سواق تاكسي تشكل لك إضافة لمعلوماتك وسلوكك الذي هو أهم من المعلومة!
نعود للسلوك وهو يشمل أشياء أهم من الكتب التي لا تعرضها لنا، مثل الأغاني الهابطة التي تعبر عن نبض الشارع الحقيقي كما قال عبد الوهاب عن عدوية: يسمع له المهمشون في العلن والمثقفون بالسر، وهل ثمة مثقف حقيقي «يستعر» من ثقافة اطلاعه على ثقافة شارع؟
تذكرت صديقة تستعرض باتباعها حميات صحية، عندما ادعت جهلها وجود نوع من الحلوى اسمها «زنود الست» أو «أم علي» وتذكرت كيف هاجمتها بالقول: عدم معرفتك دليل عدم ثقافة وليس دليل صحة على الإطلاق!
ثم انقلب السحر على الساحر حين قال لي شخص كلمة: خثاريق فاستعنت بالواتساب لمعرفة معناها من خبراء اللهجة، مثل هذه الثقافة لا تقدمها لك معاجم اللهجة العامية، ولا حتى تنفعك فيها موسوعة حمد السعيدان الكويتية باختصار الثقافة تراكم خبرات!
تذكرت سؤالاً لمغرد صديق يقول: شيسمون الناس اللي لها القدرة في الحديث لساعات طويلة والكتابة بلغة ادبية، يحاولون فيها إبهارك من خلال استعراض معلومات من دون صلة، واستخدام مصطلحات علمية وفلسفية بشكل فج من دون أن يقولوا أي شيء فعلياً، يوهمونك بأنهم يفهمون وهم بالفعل خيشة البطاط الفاضية أفيد منهم؟
كان من أبرز الإجابات: «مثقفيستا»! مثل الفاشنيستا، كلاهما يستعرض بضاعته سواء كانت معلومات محدودة وكتبا أو فساتين وأحذية و«لكل شراي بضاعة وسوق».
كلاهما مدع بشكل أو بآخر بينما المثقفون الحقيقيون والفاشنيستات الحقيقيات مشغولات بالزخم الذي يمتلكنه سواء من الثقافة أو الفاشن عن الاستعراض بها.
والكتب حالياً باتت مصدراً من مصادر الاستعراض لإثبات الثقافة، فالمثقف الحقيقي دائما ينكر حقيقة كونه مثقفاً بينما الذي يؤكد ثقافته ليس سوى مثقفيستا!
مثلما هناك: الذكي والمتذاكي والظريف والمستظرف هناك المثقف والمستثقف، كما يقول محمد الرطيان لوصف الفرق بين الأخيرين: «حديثك عن الأشياء العميقة بلغة بسيطة: موهبة. حديثك عن الأشياء البسيطة بلغة عميقة: ادعاء.»
ثم يفسر مكسيم غوركي الفرق بالتفصيل: «ما لا تفهمه فوراً لا معنى له، عندما تقول: كان الرجل جالساً على العشب يتضح المشهد في ثوان أما عندما تقول كان الرجل الطويل نحيل القامة يتكئ على صخرة صغيرة، يتأمل الخضرة من حوله فيها غموض غير مستحب في الأدب أوضح واختصر».
باختصار، قلت للزميل الذي «طلّعني» من ملة المثقفين بسبب عدم قراءة كتاب قد يعتبره أهم كتاب في الكون «سأطلع عليه وقد لا يشدني كثيراً لقراءته فأنا باختصار لست مثقفة ولا حتى مثقفيستا!»

مستندات لها علاقة

  • شارك


اقرأ أيضا