حكي نصو صحيح ... ونصو تلميح!

خواطر صعلوك

سأسمي ابني على اسم أبي، وسأخبر النحات الذي يسكن في آخر الشارع أن يحفر اسمه على جدار البيت الأمامي.
وسأنتظر عندما يمشي على قدمين ثم أحذره من الذين سيجتمعون حوله ويطالبونه أن يشرب قهوة الصباح مع «كوهين» لاعتبارات اقتصادية.
سأذكره أنهم سيجتمعون حوله ويرقصون ويرددون:
«ليس بالقدس وحدها يحيى الإنسان، ولن نشبع من التهام الحقائق الجغرافية، ولكننا نريد أن نحيا في اقتصاد معولم يصبح من الأسهل والأقل تكاليف أن تقوم الدول التي تعادي بعضها بتطوير الآلة الاقتصادية والتجارية، للحصول على الفائدة من التبادل التجاري مع بعضها البعض، بدلاً من الدخول في الخيار الأصعب والأعلى تكاليف وهو الحرب أو الغزو أو التهديد بالمسح من الخريطة... إننا نسعى للتعايش».
سأحذره من هذا الخطاب المنطقي المنمق المدعوم من البنك الدولي والوفد المنافق للمنفوخ ترامب وسأعلمه كيف يرد عليه وبجانبه سلة من الحجارة المعاد تجميعها من رصيف سارت عليه دبابة، رمت ثلاث قذائف على بستان الزيتون وحقول البرتقال.
وسأعلمه كيف يعود إلى الوراء وللأصول لكي يختلف عن الزمن، الذي نعيشه والمحاط بالتشابه في كل شيء حتى في المهانة والتهاوي!
وسآخذه في اتجاه الشمال، لكي يرى الجنوب العصي علينا جميعا، ونرسم حوله خيالاً مشتركاً وبنهج قائم على الحقوق وليست مقاربة قائمة على التعايش.
وسأذكره بقول الحق «لا تلبسوا الحق بالباطل»، وسأذكره بكل قصائد قدماء الكويتيين التي طبعت في الصحف والمجلات وقيلت في الدواوين والديوانيات وكتبت على الرمل، وعن كتاب الصحف الذين خرجوا من مقالاتهم وهم ملثمون لكي يرموا حجرا في الاتجاه الصحيح، في الوقت الذي كان خط بارليف عالياً جداً... وما علاقة كل ذلك بالهوية الكويتية؟
وسأذكره بمرسوم الأمير رحمه الله وكتائب عسكرية - رغم قلتها - إلا أنها جعلت من أبناء صهيون عدواً ونبتة لم توضع في تربتها بل في حديقة الجيران.
سأعلمه كيف يتلفت من إطار الخرائط، لينصت إلى تلك القصة البعيدة التي كانت موجودة قبل ياسر عرفات وما زالت قائمة بعده.
إلى أين تأخذني يا أبي؟
- إلى جهة الريح يا ولدي.
وهما يخرجان من السهل حيث أقام جنود بونابرت تلا برصد الظلال على سور عكا القديم يقول أب لابنه: لا تخف! لا تخف من أزيز الرصاص والتصق بالتراب لتنجو، سننجو ونعلو على جبل في الشمال، ونرجع حين يعود الجنود إلى أهلهم في البعيد.
ومن يسكن البيت من بعدنا يا أبي؟
سيبقى على حاله مثلما كان يا ولدي.
تحسس مفتاحه، واطمأن وقال له وهما يعبران سياج الشوك:
يا بني تذكر، هنا صلب الإنكليز أباك على شوك صبارة، ستكبر يا ابني، وتروي لمن يرثون بنادقهم سيرة الدم فوق الحديد.
لماذا تركت الحصان وحيداً؟
لكي يأنس البيت يا ولدي، فالبيوت تموت إذا غاب سكانها.
يا ابني تذكر، هنا وقع الانكشاري عن بغلة الحرب، فاصمد معي كي نعود.
متى يا أبي؟
غداً، بعد يومين يا بُني.
سأذكره بقصيدة محمود درويش، وبالليلة المحمدية التي غنى فيها عبدالله رويشد، وبالإحساس المشترك في ترك البيوت والمساجد لغير روادها.
سأذكره بحالة الشتات في مطارات العالم لمدة سبعة أشهر، وكيف كان ضباط الجوازات يتفقدون الأوراق الثبوتية في لحظة انكسارنا، وعلاقة كل ذلك بلحظات الشتات لأكثر من نصف قرن للآخرين، وسأعلمه ألا يسير خلف جنازات الغرباء الذين ينادون بالتطبيع.
نعم عزيزي القارئ... سأذكره بكل هذا الخطاب العاطفي جداً، فقط من أجل أن يسير على قدمين منتصب الظهر وبقدرة حنجرية على قول كلمة «لا»!

@moh1alatwan

مستندات لها علاقة

  • شارك


اقرأ أيضا