اكشف رأسك... وقل ما تريد

قالوا الكثير في السياسة، وصفوها بأنها «فن الممكن» ووصفوها بأنها «فن تحقيق المستحيل»، ووصفوها كذلك بـ«عمل غير مستقيم تحكمه المصالح»، وتبقى أبرز المقولات وأوضحها في وصف العمل السياسي بأن «السياسة قذرة».
هذه القذارة صفة لا يمكن إنكارها ونفيها عن العمل السياسي، لأنه يسعى إلى تحقيق أغراض ومنافع مباشرة وغير مباشرة. ولكي يحقق السياسي «الممكن» ويسعى لتحقيق «المستحيل»، فإنه يلجأ إلى وسائل كثيرة بعضها قانوني وأخلاقي وبعضها قانوني ولكنه غير أخلاقي، وبعضها لا يمت إلى القانون ولا إلى الأخلاق بصلة، ولكنه غاية تؤدي إلى الوسيلة.
بالتالي، فإن الانحدار الأخلاقي ليس مثيراً للاستغراب إن ارتبط بالعمل السياسي، ولكن الانحدار الذي نزلت الممارسة السياسية إليه في السنوات الأخيرة يمكن وصفه بغير المسبوق، ليس لأن سياسيي اليوم أسوأ من سياسيي الأمس، ولكن لأن أدوات الضغط المتاحة أمام السياسيين اليوم أكثر تنوعاً وأسهل بلوغاً وأرخص ثمناً من الأمس، ما هيأ الظروف للانحدار إلى الدرك الأسفل من القذارة التي نعت بها المفكرون العمل السياسي منذ القدم.
وسائل التواصل الاجتماعي التي بدأت للمودة والتعارف والتواصل، تحولت في العالم إلى وسيلة من وسائل التعبير عن الرأي وأداة للضغط ورفع للظلم إن وجد، ووسيلة للعمل المحترم و...«غير المحترم» أيضاً. فهي وسيلة سهلة وبسيطة ومتاحة للجميع، لكنها تحولت من وسيلة شخصية إلى عمل مؤسسي كبير ومؤثر... بالحق أحياناً، وبالباطل في أحايين أخرى. تسرب إليها المعلومات الحقيقية و... المفبركة، تسرب إليها المستندات الحقيقية و... المزورة، تخلط الحق بالباطل عمداً وتضفي الضبابية المقصودة على المشهد. ومثلما تستخدم كوسيلة للتقويم من المحترمين، تستخدم أيضاً من قبل غير المحترمين كوسيلة للإرهاب وإيقاع الخوف في نفوس الجماهير والسياسيين والمسؤولين والنواب.
وقد ظل الأمر مقبولاً ولو على مضض، إلى أن امتد التأثير وبات يستخدم للضغط على الموظفين العامين والقياديين لتمرير ما لا يجب تمريره، ثم تمدد هذا الخطر وأصبح يتجرأ على رجال النيابة والقضاء، وهذا ما لا يمكن قبوله ولا السماح به ولا التهاون في علاجه.
رجال القضاء والنيابة على كاهلهم مسؤوليات ثقيلة وأمانات كبيرة، وهم قادرون على مواجهة أمواج الأكاذيب التي تطالهم ولن يخضعوا لمثل هذا الابتزاز، ولكن، هل نتركهم نهبا لهذه الأدوات القذرة معتمدين فقط على صبرهم وقوتهم؟ وهل نسمح لهؤلاء بتحويل المواقع الهامة والحساسة إلى مناصب طاردة ان تقلدها من لا يعجبهم؟
أليس لهؤلاء سمعة واجبنا الحفاظ عليها؟ وأبناء واجبنا حمايتهم مما يصيب ذويهم من أكاذيب؟
ألا يجب أن يشعر من يتصدى لأخطر المسؤوليات وأثقلها - ألا وهي العدالة - أن المجتمع يعينه في التصدي لتافه أو أجير أو حاقد أو طامح أثيم لا يتورع عن إطلاق الأكاذيب وتزوير المستندات وتلفيق الروايات نازلاً إلى الدرك الأسفل من القذارة لتحقيق غاياته؟
نحن ندرك أهمية الحرية للإعلام، وندرك أن خنق الإعلام يخنق الإبداع ويعزز الديكتاتورية، ولهذا نؤكد أننا لا نتحدث عن مغردين (على وضح النقا) يكتبون بأسمائهم، ولسنا ضد النقد المباح البناء ولا ضد حرية إبداء الرأي، بل نحن من أنصار التوسع في الحريات الإعلامية ومن أنصار تعديل قانون الإعلام الإلكتروني وقانون المطبوعات والنشر وقانون الإعلام المرئي والمسموع نحو مزيد من الحرية.
ولكن ما نقصده هو تلك الحسابات الوهمية التي تنخر الإعلام والوحدة الوطنية ومؤسسات الدولة وتستبيح شرف الناس وسمعتهم وكراماتهم لأغراض الابتزاز أو لأهداف دنيئة أخرى... وكل هذا تحت أسماء وهمية، هؤلاء الذين ينفثون بيننا يومياً زعاف سمومهم وأنفاسهم الكريهة هم من يجب إعلان الحرب عليهم ومنعهم من المضي قدماً فيما يفعلون.

مستندات لها علاقة

  • شارك


اقرأ أيضا