لبنان أمام تحدّي شقّ «ممر آمِن» للنجاة من «الورطة المالية»

«حزب الله» يهدّد الأوروبيين بالنازحين... قد نقلب الطاولة

رغم الإيجابيات الكبيرة التي حققتْها زيارة رئيس الحكومة سعد الحريري لأبوظبي، وانعقاد مؤتمر الاستثمار اللبناني - الإماراتي وخصوصاً على صعيد معاودة مدّ «جسور الوصْل» مع العالم العربي، وتأكيد استمرار «بوليصة التأمين» الخليجية للواقع في «بلاد الأرز»، فإنّ ذلك لم يقلّل من وطأة «المخاض» الذي يتعيّن على بيروت أن تمرّ به في الطريق إلى القيام «بما يلْزم» لتأكيد جدّيتها في «إعادة تأهيل» بنيتها المالية والاقتصادية والإدارية والقِطاعية وفق إصلاحاتٍ لا مفرّ منها لتلقي «جرعات الإنعاش» الخارجية والتي تقتضي أيضاً بعضاً من «استعادة الوزن» على مستوى الموقف السياسي الرسمي وإحياء «خطوط الفصل» بين الدولة و«حزب الله».
وفي غمرة وقوف المنطقة على مَشارف تحوّلات كبرى على امتداد «قوس الجبهات الساخنة» من سورية إلى اليمن، مروراً بالعراق وليس انتهاءً بآفاق المواجهة بين الولايات المتحدة وحلفائها وبين إيران، يكتسب استقطابُ الأزمة المالية في لبنان اهتماماً خليجياً وأوروبياً أهميةً بالغةً تفسّرها، وفق أوساط سياسية، التداعياتُ السياسية بامتداداتها «الإقليمية» التي سيشكّلها أي انهيارٍ كامل للوضع في «بلاد الأرز» لجهة استفادة الطرف الأقْوى داخلياً أي «حزب الله» من ذلك وتالياً تكريس سقوط لبنان في المحور الإيراني وربما تحويل مثل هذا الانهيار مدخلاً لـ«هدْم» النظام بتوازناته الطائفية المكرّسة بحسب اتفاق الطائف وإعادة بنائه على قاعدة «موازين القوى» وتوزيع «كعكة السلطة» على أساسها.
وبمعزل عن «الاطمئنان» الذي يوفّره تبلْورٌ واضح لـ«عدم التخلي» الخليجي عن لبنان، وهو ما سيتكرّس أيضاً في زيارة متوقَّعة للحريري إلى الرياض في الأسابيع الثلاثة المقبلة، وذلك بملاقاة محاولة رئيس الحكومة استنهاض دعم أوروبي إضافي عبر محطته المرتقبة في برلين وإعطاء دينامية جديدة لمؤتمر «سيدر» من خلال زيارته لباريس منتصف نوفمبر المقبل، فإنّ هذا المناخ «الآمِن» سياسياً و«دفْترياً» لا يبدّد الصعوبات التي «تقبض» على الواقع اللبناني في حمأة السباق المحتدم بين بدء ارتسام مظاهر «التشققات» المالية وفق ما عبّرت عنه أزمة شحّ الدولار ابتداءً من الأسبوعين الأخيريْن، وبين مساعي إنجاز موازنة 2020، وإحالتها على البرلمان في الموعد الدستوري (قبل 15 الجاري) وإقرار الإصلاحات «الشَرْطية» للاستفادة من مخصصات «سيدر» كما «الوعود الاستثمارية» الإماراتية، وهو السباق الذي يجري على وهج احتقان في الشارع «المتحرّك» ضدّ أي إجراءاتٍ اقتطاعية أو ضريبية جديدة والذي شهد أمس اعتصاماً للعسكريين المتقاعدين أمام مبنى الـ «TVA».
وفيما كان كلام الحريري أمس أمام وكيلة الأمين العام للأمم المتحدة للشؤون السياسية وبناء السلام روزماري ديكارلو عن «تمسك لبنان بالقرار 1701 والتزام الحكومة بسياسة النأي بالنفس، ورفْض كل ما من شأنه جرّ لبنان إلى صراعات المحاور أو التدخل في الشؤون الداخلية للدول العربية»، وتأكيده «على إنجاز الإصلاحات الإدارية والقطاعية والمالية» بالتوازي مع الجهود لإطلاق مؤتمر «سيدر» يؤشّر لإدراك رئيس الحكومة ضرورة «حماية» مسار محاولة الخروج من «الورطة» المالية - الاقتصادية عبر إعادة الاعتبار لعنوان النأي بالنفس كموقف رسمي، فإنّ إشاراتٍ داخلية عدة لم تعكس أن كل الأطراف اللبنانيين «على موجة واحدة» في ما خص ما تتطلّبه المرحلة على صعيد سحب فتائل أي ملفات خلافية أو استحداث «جبهات» مع الخارج لحساب أجندات إقليمية.
وفي هذا الإطار توقفت الأوساط السياسية عند مجموعة نقاط أبرزها:
* خلفيات ما نُقل من كواليس مؤتمر الاستثمار اللبناني - الإماراتي عن وديعة إماراتية مرتقبة ولكن مشروطة بفائدة 13 في المئة أو بضمانة ‏ذهبية، وهو ما تسبَّب بانزعاجٍ أبوظبي على قاعدة أن الإمارات لم يسبق أن طرحت شروطاً لمساعدة لبنان، وبنفي متكرر من مصادر الحريري التي عاودت أمس تأكيد أن موضوع الوديعة لم يُبحث أساساً خلال زيارة رئيس الحكومة وأن الجانب الإماراتي عرض استثمارات في قطاعات محددة قد تشمل استثمارات مالية على أن يحدّد هذا الجانب أي محفظة مالية يمكن أن يدخلوا فيها، ومعربة عن تفاؤل في هذا السياق. ‎
* التداعيات التي يمكن أن تترتّب على جلسة تلاوة ومناقشة رسالة رئيس الجمهورية ميشال عون حول تفسير المادة 95 من الدستور (حول إلغاء الطائفية السياسية والمرحلة الانتقالية وخصوصاً لجهة طائفية الوظائف والمناصَفة فيها)، نحو استقطابات سياسية وطائفية أو فتْح الطريق أمام اجتهادات ذات صلة بالنظام وتوازناته، وسط سقوط المحاولة التي جرتْ لتأجيل بحث الرسالة تفادياً لمناخات احتقان قد تؤثر في «التركيز» الداخلي على العنوان المالي، ولا سيما في ظلّ التفاعلات السياسية التي تكبر لانطلاق ملاحقات قضائية بحق ناشطين بسبب كتابات اعتُبرت مسيئة لرئيس الجمهورية أو تمس بالاستقرار النقدي، الأمر الذي قوبل بانتقاداتٍ لاذعة من «الحزب التقدمي الاشتراكي» (بزعامة وليد جنبلاط) ومخاوف من التضييق على الحريات.
* مباغتة «حزب الله» الجميع بفتْح جبهة جدية مع أوروبا عبر التهديد بقلْب الطاولة عبر استخدام ورقة النازحين، الذين يتظهّر تباعاً، وفق الأوساط السياسية نفسها، أنهم بمثابة «دروع» يتم استخدامها في اتجاهٍ أو آخَر ومن طرف أو آخَر.
فرئيس كتلة نواب «حزب الله» وفي معرض كلامه عن «الحصار الاقتصادي على لبنان» وعن «اللعب بسعر صرف الليرة الذي هو نتيجة التحكّم والتعاون القائم بين من يريد تنفيذ السياسات الأميركية ومَن يزحف لرضا البيت الأبيض»، قال في ما بدا رسالة ضمنية ذات صلة بالعقوبات الأميركية على الحزب والتي قد تتدحرج في اتجاه حلفاء له: «العالم كلّه اليوم يحاصرنا، يكفي أن نلوّح بورقة النازحين السوريين حتى تأتي كل دول أوروبا راكعة أمام إرادتنا، هم لم يستطيعوا استقبال عشرة آلاف نازح ويريدون أن نستقبل مليونا ونصف المليون نازح، هم لا يدْعمون ويلقون أعباء رعاية كل هؤلاء على وطنٍ فقير ليس فيه اقتصاد قوي (...) الأمر إن استمر على هذه الشاكلة سنتصرّف بما يُضطَرّ الأوروبيون لأن يتحملوا مسؤولياتهم وأن يدفعوا المتوجّب عليهم».

مستندات لها علاقة

  • شارك


اقرأ أيضا