رسالة إلى الشباب

قيم ومبادئ

ما من أمة انقطعت الصلة ما بين حاضرها وماضيها - خصوصاً إذا كان هذا الماضي مشرقاً مجيداً - إلا صار أمرها إلى ضياع وشتات، ولقد رام أذناب الاستعمار أن يقطعوا الصلة التي تربط الشرق بماضيه المشرق، وأن يحولوا بينه وبين التطلع إلى حضارته التي أضاءت العالم كله يوم كانت قيادة العالم في أيادي أهل الإسلام.
ولقد طال على الشرق هذا الليل البهيم، حتى نال الاستعمار بعض أمانيه بعد سقوط الدولة العثمانية بالإرهاب والتسلّط حيناً، وبالخديعة والمكر والدسائس حيناً آخر، فإذا وحّد الشرق تفكك، وتداعت عليه الأمم، فالجفاء والبغيضة حلا محل الأخوة والوحدة في وسائل التواصل الاجتماعي، وإذا مجدهم التليد وتاريخ هذه الحضارة وعلومها ورجالها في زوايا النسيان، بعدما استعاضوا عنها بترجمة ترهات الغرب ونصبوها لأجيال المسلمين بالمسرحيات والأفلام والإعلام، وقد أخذهم بريق من حضارة الغرب كي يفتن أبصارهم، ولكنه بريق يشبه بريق السراب الخادع الذي تراه فتحسبه شيئاً فإذا جئته لم تجده شيئاً، وإذا المتعلمون والمثقفون من أبناء بلاد المسلمين التي كانت مبعث العلم والثقافة أقلية بقدرما يحتاج إليه المستعمرفي وظائف الدولة، التي يزهد رجاله في تقلدها، وإذا علم هذه الأقلية وثقافتها ضئيلان بقدر ما يجعلها آلات يديرها الاستعمار ويحركها في أهوائه، تسير إذا أراد أن تسير، وتقف كلما أراد لها الوقوف، وها هو الغرب اليوم يقلب عليهم المجن ويبحث عن غيرهم من المتأسلمين ليروج بضاعته.
واقتضت حكمة الله تعالى أن تبقى صورة هذا الدين القويم بيد رجال اصطفاهم الله على علم قال: صلى الله عليه وسلم: «لا تَزَالُ طَائِفَةٌ مِنْ أُمَّتِي عَلَى الْحَقِّ ظَاهِرِينَ لَعَدُوِّهِمْ قَاهِرِينَ لا يَضُرُّهُمْ مَنْ خَالَفَهُمْ إِلَّا مَا أَصَابَهُمْ مِنْ لأْوَاءَ حَتَّى يَأْتِيَهُمْ أَمْرُ اللَّهِ وَهُمْ كَذَلِكَ».
وبقي معدن بعض بلاد المسلمين وأهلها سليماً نقياً صالحاً للعمل إذا نُفض عنه الغبار، وأزيل ما علق به من الصدأ، وجُلِّيَ جلاء يعيد له أصالته ونفاسته وفي الوقت نفسه لم يخدعهم ذلك البريق، ولكنهم تطمأنوا للعاصفة الهوجاء وقبعوا في أماكنهم لا ضعفاً ولا استكانة، ولا رهبة ولا خوفاً، ولا رضاً بما عليه الناس من حولهم، بل ليهيئوا الجو الصالح، وليبصروا قومهم في حذر وترقب، حتى إذا اكتمل الوعي وجاء وعد الله لهم بالنصر إذا علم ما في قلوبهم من الصدق والإخلاص وخالطت بشاشةُ الإيمان قلوبهم هبّوا، فإذا الناس يهبّون معهم من كل جانب، وإذا معدن الشرق الأصيل يظهر على حقيقته، وإذا أبناء الشرق جميعاً يتقدمون للعمل وينتظرون التوجيه، وإذا الاستعمار يتخاذل ويستخذي ويتضاءل، ثم إذا هو يضع عصاه على كتفه مُؤْذناً بالرحيل ويحاول النجاة.
هذا المعدن الأصيل من الرجال والنساء لا مناص لهم من العودة إلى الماضي المجيد، يصلون به حاضرهم ويبنون عليه مستقبلهم ، الماضي المجيد بوحدته التي تصمد وتتعاون وتتساند وتتكافل، ويكون معها الجميع كجسد واحد إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الأعضاء بالسهر والحمى، وبحضارته التي بهرت أنظار العالم ولم تبخل على أحد بشيء منها، ولم تحاول التغرير بأحد ولا استغلاله ولا الاستعلاء عليه، ولم تدّع لنفسها ما ليس لها، ولا زيفت التاريخ وغضت من حضارات سابقتها واقتبست هي منها، لأنها غنية بمفاخرها وأمجادها، فليست بها حاجة إلى أن تسلب أمجاد غيرها ولا مفاخرهم، ولأنها حضارة بنيت على مكارم الأخلاق واحترام المثل العليا، وليس من مكارم الأخلاق ولا من احترام المثل العليا، أن تنسب لنفسها ما هو من صنيع غيرها. فهل يعي هذا الشباب؟

مستندات لها علاقة

  • شارك


اقرأ أيضا