متاحف الروح...

بوح صريح

أليس السفر خفقة قلب بين هدبين، أليس العيد نية لفرح مؤجل. قد يأتي وقد نذهب إليه.
لذا اخترت هذا العيد أن أذهب إلى الغابة، وأن أحاور الشجر وأخاطب العصافير والفراشات، وألون بخضاب عطر البرية، حقول وبراري روحي.
شددت الرحال للباروك في منطقة الشوف الخصبة بفطرة الجمال وعفوية البراءة وبساطة البساط الأخضر المفروش على امتداد المدى. عبر قرى متتالية لكل منها هوية وبصمة وحكاية. كنائس مشيدة بمحبة وبخور الصلوات والأدعية ينطلق من دنتيل تعاريج البلور الملون. هنا صلّت أرملة لزوجها الشهيد. وهنا رفع شاب يديه يبتهل لروح اختطفتها الأحداث. وهنا بكت شابة مصيرها المجهول... قاعات ملتفة على أسرارها. فلا أملك إلا الشعور بالضآلة والتواضع.
وضعت عِدّة الرسم وتركت ريشتي تصيغ القصة وتتابع الإحساس، بمعزل عن المشهد المتناسق أمامها. درجات البني والقمحي وشجر متناثر يتواصل بطريقته الخاصة. وبيوت تتجمع لتشكل قرية. أو تنعزل كمعابد لروح متعبة أو شقية استكانت بعزلتها. فخرج منها شاعر أو رسام أو روائي.
كم أحسد سكان هذه المناطق البرية البعيدة على كم الهدوء ونعومة المشاعر وطمأنينة القلب، بعيداً عن صخب وزيف المدن.
الغابة أيضاً علاج للشقاء والإرهاق والبكاء المخنوق والصراخ العصي على الانهمار. كما أن السير بين الطبيعة استشفاء والرسم تداوٍ والمطالعة والقراءة علاجات متنوعة تروي حيرة الفكر وتملأ فراغ الكسول. وتجمع كسور نفس جريحة وقلب مخدوع.
لذلك اهربوا إلى الطبيعة للرسم للكتب للمطالعة للثقافة والمعرفة والعلوم. اهربوا من زيف مواقع التواصل... من التفاهة والسخف والسطحية للجمال البريء على تخوم السهول وقمم الجبال. فالطبيعة لا تغش ولا تخون. فكيف يخون الحقل وهو مشرع للريح. وكيف تغدر الغابة وهي مصدر العطر ومنبت السكينة، ولن تندموا... لن تعودوا إلا وأنتم أكثر ضياء وجمالاً وروعة.
يقول أرسطو: (الفن تقليد للطبيعة). و كلمة (فن) تعني (تزيّن الشيء) وكلمة (مثّل) لغة تعني (صار مثله).
تذكرت هذا الكلام وأنا أتجول بين تماثيل قلعة موسى في دير القمر في جبل لبنان. تلك التي تصور تفاصيل الحياة اللبنانية من مجالسها السياسية لمدارسها لشوارعها. أعراسها وبيوتها حدائقها وأسواقها. لم يترك موسى حدثاً إلا وجسده. قام على مدى سبعين عاما بالعمل وحده بلا مساعدة إلا قليلاً. وكان ينفق على فنه من ماله الخاص حتى افتتح متحفاً صغيراً، ثم من التبرعات بنى أقساماً أخرى حتى اكتملت القلعة. عمل وطني ضخم لا تكفي الكلمات لوصفه. لذلك أعشق المتاحف لكثرة التفاصيل والجهد والشغف والحب العميق خلف حكاياتها.
ثم أليست اللغة بابا نعبر من خلاله إلى دواخل النفس المشرعة تارة والمحكمة أحياناً على مشارف التأويل. حيث الأسئلة ترسم ملامح تلك الغربة في الطريق إلينا، ترسم الحضور الكثيف فوق رمال النص المتحركة المتخمة بألغام الصور. التي تقودنا في نهاية المطاف إلى وجهة وحيدة موجزة وفادحة الجمال.
‏أما تراكم الكتابة، فيأتي بصورة قراءات. ذكريات روائح، مذاق ومناظر... فوضى مشاعر تركتها فينا الطبيعة أو الأحداث. التراكم هو برادة المزاج وعصارة مشاعر تبخّر العابر منها، وظل سكرها المعقود الذي تتولد منه اللغة الجديدة والتعبيرات المتفردة، التي تصبح لاحقاً بصمة الشاعر ومفتاح نصه.

مستندات لها علاقة

  • شارك


اقرأ أيضا