كورونا... والبجعة السوداء

ربيع الكلمات

كتاب «البجعة السوداء» الذي ألفه نسيم طالب المتخصص في مجال الرياضيات المالية، ولديه نظرية البجعة السوداء التي تشير إلى صعوبة التنبؤ بالأحداث الاقتصادية المفاجئة، وملخص النظرية على الفكرة السائدة بأن البجع كله أبيض ووجود البجع الأسود فهو نادر ومفاجئ وغير متوقع، وكان ذلك قبل اكتشاف البجع الأسود في استراليا الغربية الذي كان حدثاً وأمراً غير متوقع أبداً، و تنطبق هذه النظرية على الأحداث التاريخية التي لم يكن من الممكن التنبؤ بها واحتمال واقع غير وارد بالنسبة لنا.
ومعظم الناس لم يرَ بجعاً أسود لذلك هو يعتقد بعدم وجوده ولكنه موجود، وذلك لأن عقلنا يعمل بطريقة بقعة الضوء حيث يركز على أمور ويغفل عن أخرى.
تفحص «نسيم طالب» ودرس كيف أن الإنسان يخدع نفسه بأنه يعتقد أن لديه علماً بما يحدث من حوله، مما يؤدي إلى أن يحصر الإنسان تفكيره في أمور معينة وهامشية، ولا يفكر بطريقة كلية، وتأتي الأحداث فجأة ومن غير سابق إنذار، ولعل الأزمة الحالية لكورونا خير مثال وشاهد، ويتحدث نسيم في الكتاب عن بعض الإستراتيجيات للتعامل مع «البجعات السود» وكيف تتم الاستفادة من هذه البجعات.
وهناك مقولات كثيرة قيلت في الكتاب، فقد قالت صحيفة التايمز إنه «كتاب آسر شديد الإثارة للفكر»، وقالت جريدة الدايلي تلغراف عنه إنه «مقلق ومثير للجدل... طالب هو عالم صاعق ورجل فذ»، والنيويورك تايمز ذكرت «نظر إليه كرجل رؤيوي لأنه استطاع استشراف الكارثة المالية قبل حدوثها».
ويقول نسيم: «حاولت رسم خريطة الأحداث المفاجئة وغير المتوقعة أي البجع السود التي وقعت في الأعوام العشرة الماضية، فوجدت من المستحيل تحديد رسم بها لأنها متفرقة، إذ لا يمكن التعلم من تجارب الماضي لتحديد المستقبل كما يدعي الاقتصاديون والصحافيون ويقول: هناك 13 مليون اقتصادي حول العالم لم نجد 5 منهم يتوقعون الأزمة».
وأزمة كورونا كانت متوقعة عند عدد قليل جداً من الناس الجادة وكثير في الوقت نفسه عند أصحاب نظرية المؤامرة، ولعل بيل غيتس من القلة الذين تحدث عن هذه الأزمة، وفي عام 2015 وبعد وباء الإيبولا وقال: «عندما كنت صغيراً، كانت الكارثة التي نخشاها أكثر من غيرها هي الحرب النووية، أما إذا كان شيء ما سيقتل أكثر من عشرة ملايين شخص في العقود القليلة المقبلة، فمن المرجح أن يكون فيروساً شديد العدوى وليس الحرب، استثمرنا الكثير في الردع النووي، والقليل جداً في نظام احتواء الأوبئة، نحن لسنا مستعدين».
وأنهى غيتس كلامه عام 2015، وذكر «لا داعي للذعر، ولكن علينا أن نفعل شيئاً»، وطلب «نظاماً صحياً عالمياً»، وفيه وحدات طبية متنقلة تحتوي على احتياجات خاصة مع تقدم البشر في الاتصالات.
ولكن - مع كل أسف - فإن العالم أنفق بسخاء كبير على شراء السلاح وبكل أنواعه، ولم ينفق شيئاً يذكر على البحث العلمي والطب، وكانت النتيجة هي «فيروس كورونا»، الذي أوقف وعطل العالم والخسائر لا تقدر وصناعات تحتضر مثل صناعة السياحة والسفر، والنفط إلى مستوى جداً متدنٍ، وكبرى الشركات لا تعرف ماذا تعمل وأصبحت عاجزة، وجاء هذا الفيروس ليعرف كل واحد حجمه، وبالتأكيد العالم ما قبل كورونا سيكون مختلفاً عما بعد.
ولعل من أهم دروس كورونا هو أنه على الإنسان أن يقتصد في معيشته بلا إسراف، وبالقدر الذي يهتم بالمظهر والكماليات، فيجب عليه أن يهتم بالجوهر، ومهما بلغ في علمه فهناك من هو أعلم منه وقال تعالى: «وفوق كل ذي علم عليم».

akandary@gmail.com

مستندات لها علاقة

  • شارك


اقرأ أيضا